أبو علي

عامل بناء وجدّ وعاشق للزرع، في أواخر السبعينات من عمره من قرية كفركلا على حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل.

"ما بظن رح إقدر إرجع. هيك مبيّن الوضع حاليًا. يعني وإذا بدو يصير في تعمير، قديش بدّو؟ أربع، خمس سنين؟ بعدنا منعيشهن هول؟"

أنا خلقت بكفركلا بجنوب لبنان، وعشت طول حياتي بكفركلا. أنا طلعت من المدرسة، وصرت إشتغل لحتى عمّرت بيت. وتزوجت، وربّيت أسرة من خمس بنات وصبيان.

عمّرنا هالبيت على أساس ننستر فيه، والحمد لله انسترنا فيه. مرتي صارلها شي ٨ سنين متوفّية. بيتي بكفركلا هو حياتي كلها. معمّر بشي ٣٠٠ متر، والباقي جنينة. فيها من جميعه. فيها عريش، فيها جوز، فيها جرانك، فيها رمان، وبزرع خضرا فيها.

بنزل على الأرضيات لتحت يوميًا. تحت الجوزة. بزرع، بنكش، بسقي مي… هيك كنت قضّي وقتي.

بـ١ يناير/كانون الثاني ٢٠٢٤، طلعنا من كفركلا. الحرب بلّشت قبلها بشي ٣ أشهر. ضلّينا صامدين فوق ٣ أشهر، أنا وبنتي. ما كانش بعد في هالدمار، وما كانش بعد في هالضرب القوي. بقينا، بس إبني طلع. قلتله: "روح بولادك إنت." بقيت أنا وبنتي بكفركلا، بس ما كانش الوضع بعد تأزّم.

يعني تقريبًا نحن آخر ناس طلعنا من الضيعة. إنه نحن ما فكّرنا حنضطّر نفلّ. ما فكّرناش إنه تطول الحرب بهالشكل هيدا، وتكون قاسية هالقد. نحن بالـ٢٠٠٦، بقينا كلنا بالبيت، كل الحرب. ٣٣ يوم ما تركنا البيت.

بلّش القصف يقوى بآخر ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٣. بس نزّلوا بيت حدّنا، واستشهد ثلاثة… هون فلّينا.

ما قدرنا نطلّع شي. جينا هيك، متل ما نحن، بأواعينا اللي لابسينن بس. والله كل غرض بالبيت هو عزيز على الإنسان. يعني أنا كنت مشتري للبيت سجاد… بعده جديد، بعده مش مغسول، للبيت كلّه. ياريت قدرت طلعه.

نبّشنا على بيت لنسكن فيه، ما لقينا. وبعدين جينا لهون عالمنطقة، على شقة بالغازية. هيّي شقة لخالة كنتي.

النزوح الثاني كان بسبتمبر/أيلول ٢٠٢٤، لما راح ابني وعيلته على داريا. لما صار في قصف هون بالغازية، راحوا هنّي على داريا، وبقيت أنا وبنتي هون. يا عمي، صعب ينقل الواحد من مطرح لمطرح، والبيت مش إله، والضيعة مش ضيعته… بلاقيها صعبة. بس لما ثقلت الحكاية، وصار في ضرب هون، بالوادي هون، ضربوا بناية. قمنا حملنا حالنا، وبلا ما نروح عالشمال، نزلنا عالجنوب، على مرجعيون.

كنا قاعدين بمدرسة ثانوية. قعدنا شي ١٥ يوم. أنا وبنتي لحالنا بأوضة مع حمام وننام على الأرض. الناس هونيك كلها، يعني تلات أرباعهم من عنا. نقعد مع بعضنا ونتسلى وهالضرب ماشي. نتسلى، نقعد، ونشرب قهوة وشاي، وهيك. وهونيك أكلنا الضرب، بس ما كنش قريب.

كان مأمّنلنا الأكل والشرب. بس بالمدة الأخيرة، لما ثقلت الحكاية هونيك، اللي كانوا عم بيأمنوا المي والأكل قالوا خلص، معش فيه مجال. وفي ناس من عنا كان عندهن بقر بهديك المنطقة، كانوا يحلبوا الحليب ويجيبوه. ما كان فيهن يصرفوه. وأمّنولنا أكل، وشرب، وغيره… يوصلنا صناديق مونة، ونحن نعمل الأكل.

بس خلص، معش في مزح، يعني قرّب الضرب على المستشفى. ضربوا ناس من عنا، واستشهد ناس من عنا. كانوا مسعفين. راح يمكن يومتها سبعة. استشهدوا كمان. هيدي فلّلت العالم كلها من هونيك. كل واحد راح على مطرح. 

أنا رحت لعند ابني على داريا، وقعدنا شهرين هونيك بمبنى معهد بيعلّم بعد الضهر. أربع غرف وحمام. قعدنا كلنا بغرفة. والله، أنا ما عجبتني القعدة هونيك. ما كنت أعرف حدا. قوم من الصبح على هالبرندة، إشرب شاي، إشرب قهوة، دخّن، ويخلص النهار.

مع العلم إنه أنا بحياتي كلها ما بقعد ببيت. أنا من الصبح، طول حياتي، إذا ما عنديش شغل، بضلّ للضهر برا. برجع بصلّي، بتغدى، وبرجع بضهر للمغرب لإرجع عالبيت. ما بنحصر بالبيت. بس في شي جبرني. وقعدنا شهرين هونيك، لوقت وقف إطلاق النار.

رجعنا على الغازية هلأ، على شقة خالة كنتي. يعني ما في إلّا هون تقريبًا بنزل من الصبح. في هون كم جار صار عندي، بنتسلّى نحن وياهُن. مش أكتر من هيك.

والله نحن ما كنّاش مفكّرين إنه البيت راح. بيتنا كان بعده واقف. قبل وقف إطلاق النار بشي عشرين يوم يمكن، صار فيه حريق. قلنا حريق يعني منزبّطه، عن قريبه، ومنقعد فيه.

عرفنا من الصور. هني الإسرائيليي بيحطّوا صور البيوت، البيوت اللي عم تتفجّر. فبيتنا كان موجود، وشفناه كيف تفجّر. وهاي هي… كنّا متأمّلين نروح ونرجع نعيش متل ما كنا بالأوّل. قلنا "لا حول ولا قوّة"، متلنا متل هالعالم.

شي صعب. لما واحد يترك بلده، يترك بيته، اللي عاش فيه وربّى عيلة فيه.

كنّا متأمّلين إنه نروح ونرجع نعيش متل ما كنا بالأول. يعني شو بدّي فكّر؟ أنا كنت متمنّي إنه يبقى البيت. كان عندي كاراج للسيارة، وكان عندي غرفة لوحدها مستقلّة مع حمّام بالأرضيّات. قلت إذا بقيو، بنطلع بنسكن فيهن. بس كلّه راح. طلعنا طلّينا شفنا البلد كلّه بالأرض. شفنا البلد كلّه… في ولاد خيي التنين، وشباب كتير، استشهدوا كمان.

مش متأمّل إنّه بعد في رجعة للحياة متل ما كانت. ما بعرف، في كتير إشياء مرقت عَ راسنا، بس هيدي الحرب أصعب حرب. في دمار مش طبيعي بالنسبة للدمار اللي صار بالأوّل، يضربوا بيت، اثنان، ثلاثة، عشرة… إي، بس بهالإجرام هيدا ما مرق بالعالم كلّه.

ما بظن رح إقدر إرجع. هيك مبيّن الوضع حاليًا. يعني وإذا بدو يصير في تعمير، قديش بدّو؟ أربع، خمس سنين؟ بعدنا منعيشهن هول؟

هيدي الشقة مش بيتي. وطني هو لبنان ككل، وبيتي بكفركلا هو الوطن التاني. يعني حتى إذا نصبت خيمة محل بيتي، بلاقي حالي مرتاح، أحسن ما إقعد بقصر برا.

مش متأمّل إنّه بعد في رجعة للحياة متل ما كانت. ما بظن رح إقدر إرجع. هيك مبيّن الوضع حاليًا. يعني وإذا بدو يصير في تعمير، قديش بدّو؟ أربع، خمس سنين؟ بعدنا منعيشهن هول؟