عباس
شاب في السادسة والثلاثين من العمر، عاشق للطبيعة، من بلدة جبشيت في جنوب لبنان، ويعيش مع كلبه المحبوب كوزاكس.
"وقت النزوح، شفت ناس عم تعطي من دمها، من مالها، من جهدها وتعبها لتساعد النازحين. فبالنسبة إلي هول الأشخاص اللي تعرفت عليهن هني أحلى شي صار بالحرب."
أنا من جبشيت بجنوب لبنان. بكره المنطقة، وبشتهي أفصل حالي عنها. خدوا الضيعة! أنا ما بعتبر هيدا الوطن كلّه وطني أصلًا. عايش ببيت لحالي، ببناية أهلي، مع كلبي كوزاكس، عمره شي أربع سنين ونص. ما عندي ولاد، عندي كلبي كوزاكس وبعتبره ابني. بالنسبة لإلي البيت هو جوا الأربع حيطان ببيتي. هونيك العزلة تبعي، لحالي، وهيدا أحلى شي. بحس هيدا مكاني، مطرح آمن لإلي، وما حدا خصّه فيي.
بلّشت حس بعدم الإنتماء بوقت الثورة (المظاهرات ضد الحكومة اللي اندلعت بأكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٩). كتير فروقات بيّنت بهداك الوقت. ونوعًا ما، حسّيت حالي منبوذ لأني مختلف عن محيطي. وقتها، بيّنت كل هالأشياء أكتر. وصار في انتقاد من مجتمعي وبيئتي على مشاركتي بالثورة.
بعد في كم مطرح هون بالمنطقة بحسّ فيني إرتاح فيهن. متل هيديك التلّة اللي بتطلّ على النبطية. فينا نشوف المدينة كلها من هونيك. مطرح حلو، بقلب الطبيعة، وما في ولا حدا.
أنا بشتغل بمجال الفايبر أوبتيكس. نهارها صار فيه ضرب من الفجر (بـ٢٣ سبتمبر/أيلول ٢٠٢٤). وقتها كانت القصة صارلها سنة، وكان في ضرب بلبنان، بس ما كان بعده قوي متل نهارتها. بهديك اللحظة، الكل بلّش يفلّ.
أنا بھالوقت كنت عم اشتغل بصور، وبسرعة حكیت مع قرابتي بحرار بعكار كرمال نأمّن بیوت لعیلتي. دغري سعيت بالموضوع، وكنت كل الوقت عم دقّ تلفونات، من أول ما بلّشت تولع. بكل هالوقت، كانت البيوت خلص تأمّنت، وبعتت أهلي وعمتي وكذا حدا، أمّنت كذا بيت فوق، وفلّوا. وكانوا كتير مصرّين إنّي إلحقهم دغري، بس أنا ما كان بدي فلّ، لأن أهلي وبعض قرايبي كان عندن مشكلة مع كوزاكس. من منطلق ديني، بيعتبروه نجس.
كان في كتير ضربات عالطريق بهديك الليلة. بتذكّر ضلّيت شي تلات أرباع الساعة بمطرح واحد، وعم استعمل ضو تليفوني لزيح حجار وشجر من الطريق حتى إقدر امرق. المنظر كله حواليّ نار بالليل. ومع كل الضربات اللي كانت عم تنزل عالجبال اللي حوالَيّ، حسّيت حالي بمشهد من فيلم.
المهم وصلت عالبيت. وصلت، مين بلاقي ناطرني؟ كوزاكس. هون ارتحت. هو معوّد على حياته البرّية، بيروح بالجبال والوديان حوالينا، وبيرجع وقت اللي بدّو… بيروح وبيرجع.
أكيد دغري فتحت الباب وفات. في زاوية ورا الكنباية، تحت البار، زاوية مقفيّة… كوزاكس كان قاعد فيها. بهيدي الزاوية المقفيّة، من وقت ما فتنا للبيت، لوقت ما فلّيت بعد شي ٦ أو ٧ أيام، وهو قاعد هونيك. ما بنسى عيونو… كان كتير، كتير مرعوب.
للأسبوع اللي بعده تقريبًا، الضيعة كانت شبه فاضية. بالبداية ما كان في شي فاتح. بعد كم يوم، فتحت دكّانة، وضلّينا عايشين عالخبز والمعلبات. كنت جرّب ما إترك البيت إلا لما يهدى صوت الطيران شوي، بس ما كانت تمرق ساعة علينا بدون ما نسمع ضربة. ومسيّرة الـ"أم كا" الإسرائيلية، ليل نهار شغّالة، ما بتوقّف.
وصلنا لمطرح إنه أهلي بطّلوا يحلّوا عنّي أبدًا بدهم إنّي إلحقهم… كنت على تواصل معن كل ساعة! آخر شي، بطّلوا يتركوني بحالي بولا طريقة. قمت خلص، قرّرت فلّ.
أخذت معي الــ"هارد ديسك" اللي فيهن كل شغلي، حياتي، وكل شي داتا عندي. أخذت اللابتوب. ورجعت لكل شي أوراق مهمّة، ما بعرف ملفات، الباسبور، شهادات… كمان أخدت كم كتاب وشوية تياب. وقعّدت كوزاكس بالطبّوناية ورا بالسيارة، لأن هونيك واسعة وهو بيرتاح أكتر شي فيها.
أنا وقتها مشيت بالليل، والطرقات كانت فاضية. اتفقت أنا ورفقاتي نلتقي ببيروت، ولاقيتهن هونيك. كوزاكس كتير أصحاب هو و"هيرا"، اللي هي كلبة رفيقي، وبنفس العمر تقريبًا. كانوا كوزاكس وهيرا صايرلن كذا شهر مش شايفين بعض، بس وقت شافوا بعض ما هدينا من وراهم… هلكوا الدنيا بالركض واللعب! رحنا على ساحة الشهداء (ساحة عامة في وسط بيروت)، وصفيت سيارتي وسيارة رفيقي، ونمنا دغري بالسيارات فاتحين الأبواب، وكوزاكس وهيرا كانوا حدّنا.
وشي الساعة ٦ الصبح، مشيت على عكّار. حرار هي ضيعة بظن ارتفاعها حوالي ١٢٠٠ متر عن سطح البحر. هي ضيعة كلها طلوع، بالجبل، وعطول فوق الغيوم. كل شي فيها طلعة… إذا بتروح من بيتك للساحة، بتكون طالع شي ١٠٠ متر طلوع. والناس هونيك كتير طيّبين.
أهلي بيعرفوه لكوزاكس قديش هو حدا حبوب، وطيّوب، ومسالم وبيحبّوه. الأولاد بيلعبوا معه وهيك، بس إذا دقروه بدهم دغري ينزلوا يتحمّموا! وأنا مسلّم معهن، ما رح فوتلهن كوزاكس عالبيت.
بعد كم يوم من وصولي، رحت أنا ورفيقتي زينب، اللي كمان لقيتلها بيت هي وأهلها بحرار معنا، وتعرّفنا على بنت من الصبايا والشباب اللي كانوا عم يساعدوا النازحين. كانوا أشخاص مستقلّين، ما خصّهن بحدا، هنّي من أولاد الضيعة نفسها. كتير عجبتنا الفكرة، قمت رحت أنا وياها وقلنالهم: "نحن بدنا نتطوّع معكم."
صار عندي روتين جديد. كل يوم الصبح كنت فيق بكّير وفل من البيت. بمشّي كوزاكس شوي، بلعبه وبجبله أكله. كمان عرّفت كوزاكس على ابن خالتي وابنه، وكل الأولاد حبّوه. صار كل شي أولاد بالضيعة يسألوا: "وين كوزاكس؟"
كان في حدا يهتم فيه بغيابي، وأنا كل يوم بجهّزله كل أموره قبل ما فلّ.
أوّل شي، كنت إشرب قهوتي بمطرح فيه منظر حلو. وبعدين روح عالمركز اللي عملناه للنازحين. أنا استلمت موضوع الداتا، كل شي داتا. صمّمت برنامج لنظّم فيه كل المعلومات: شو كل عيلة بحاجة، وشو وصلها. وبعدين صار يجي لعنّا جمعيّات ومجموعات من أحزاب. بمرحلة معيّنة، في ناس كانت بحاجة لفرش، وضلّوا شي جمعة لحتى تأمّنلهم فرش. فوق كان في سقعة كتير خصوصي بالليل. فكان ضروري يكون في حرامات.
بتذكّر إنه كان في كتير معاناة بهالمواضيع. أنا كنت محظوظ لأن قرايبيني هونيك كانوا كتير مناح. وكان في ناس ما بيقصّروا بشي وبيساعدوا قد ما فيهم.
القعدة بحرار غيّرتني. تعرّفت على ناس جداد ومختلفين. كنا نطلع سوا ونستكشف سوا. الطبيعة هونيك كتير حلوة. كانوا يفرجونا على الفطريات، وبيعرفوا أساميها، وعلى الشجر كمان، وبيعرفوا أسامي كل شي. كان معنا كوزاكس ومعنا حصان. الجو كان عنجد كتير حلو.
تعرفت كمان على صبية هونيك، من المنطقة. كتير حبيتها. ما كمّلنا العلاقة، بس ما بندم إنه تعرفت عليها. كانت كتير حلوة، وطريقة تفكيرها قريبة كتير من طريقتي.
خلّصت الحرب، أو عملوا اتفاق وقف النار بنوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢٤، كل العالم فلّت دغري. أنا بقيت شوي، لأنّي كنت مأجّر أوضة عن جديد بالضيعة، وتعبت عليها كتير لأرجع رتّبها، وكنت حابب ضلّ فيها وإقعد لحالي. كان صاير وقتها مشكل كتير كبير مع أهلي كرمال كوزاكس.
أيام الحرب، الجو كان مشحون لدرجة إنه كل حدا كان عنده مشكلة مع حدا تاني. المشكلة عنّا كانت أنا وكوزاكس.
بتذكّر إنه بعد شي ٥ أو ٦ أيام، بيّي كانت نفسيّته مدمّرة لأن مصلحته كتير متأذية. وكانوا عم يدقّولي هو وخيي، متل كأنهن عم يترجّوني إرجع. أنا الوحيد اللي بركّب الكابلات الأساسية بشغل العيلة، وكانوا بحاجة إلي. وكنت عارف إني رح إرجع، لأن كان عندي إحساس بالمسؤوليّة تجاههن.
هلّق أنا فلّيت من الجنوب بعد جمعة، فكنت شايف دمار كتير، بس ما كان بعده سوق النبطية، السوق القديم، مضروب. بس لمّا رجعت، شفت إنه السوق خلص… ما عاد سوق النبطية اللي كنّا نعرفه. كلنا حسّينا بهيدا الشعور، إنه هيدا كان متل ذكرى، منظره محفور ببالنا، ما منتخيّله يتغيّر. وبترجع تلاقيه بهالشكل… مدمّر. أنا بيتي لقيته متل ما تركته، فما قطعت بنفس المعاناة اللي مرقوا فيها غيري.
رجعت عالشغل، وحرفيًا صرلي شهرين مش ماخد ولا عطلة. وأكيد في جو حزن طاغي حوالينا. عمتي مثلًا خسرت ناس كتير من ضيعتها ومن قرابتها. ومش بس هي، كل نازح خسر حدا. أنا كمان خسرت أصحاب قدامى وقرايب. حتى اللي ما فقد حدا، راحله بيت. واللي ما راحله بيت، راحله رزقه وشغله. كل حدا خسر شي. وأكيد، الخسارات مش كلّها متل بعض. بعرف شخص ماتت كل عيلته، وبقي لحاله. الناس كلها زعلانة، والكل عم يجرّب يتأقلم، والكل عم يحاول يرجع لحياته الطبيعية، بس الغصّة موجودة جوّا كل واحد فينا.
من وقت ما رجعت، عم بشتغل لدرجة إنّي ما عم شوف كوزاكس كتير. بس هو بحب يسرح بالوديان، وبحب حياته بالضيعة. فمتل مطمِّن عليه… بعرف إنّه بأمان، وما رح يصيبه شي. رَوَاق، ماشية أموره.
بعدني ما بحس بالانتماء لهون. يمكن أنا الغلط. وقت الثورة، عطيت كتير من وقتي، ومن تعبي، ومن روحي، كرمال هالبلد. ووقت النزوح، شفت ناس عم تعطي من دمها، من مالها، من جهدها وتعبها لتساعد النازحين. فبالنسبة إلي هول الأشخاص اللي تعرفت عليهن هني أحلى شي صار بالحرب. فبينما قبل كنت قول ما بدي اترك بيتي بالضيعة، هلّق بقول منيح إنّي تركته لفترة. الطلعة من هالمكان رجعتني للحياة بطريقة ما.
أنا بعتمد على حديث ل الإمام علي بقول: "ليس بلدٌ بأحقَّ بك من بلد، خيرُ البلادِ ما حملك." وأنا بلدي للأسف ما حملني.
وقت الثورة، عطيت كتير من وقتي، ومن تعبي، ومن روحي، كرمال هالبلد. ووقت النزوح، شفت ناس عم تعطي من دمها، من مالها، من جهدها وتعبها لتساعد النازحين. فبالنسبة إلي هول الأشخاص اللي تعرفت عليهن هني أحلى شي صار بالحرب.
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))