حسن
شاب في السابعة والعشرين من العمر، يعمل كمحلّل بيانات إعلامية، وهو عاشق لكرة القدم من ضاحية بيروت الجنوبية.
"ما في حدا ما رجع مختلف بعد الحرب. الحرب بدها تترك أثر بقلب كل إنسان. ما حدا حاسس بأمان. صحيح في وقف إطلاق نار، بس ما حدا حاسس إنه الحرب خلصت."
قبل الحرب، ما كانت حياتي برجوازية أو كأنّي عايش بحلم. كانت حياة طبيعية، بسيطة ومتواضعة. يمكن الشي اللي كان يميّز بيتنا هو موقعه، لأنه قريب على كل شي. في صوت موتير، صوت كميون المي، صوت الجيران...
أم حسن كانت تشتغل عالبيت دايمًا، كل فترة بتعمل فيه شي جديد، سواء بالعفش، أو بالديكور، أو بالدهان، أو بتجدّد غرض. ريحة البيت كانت حسب المعطّر اللي بترشّو أمي، عادةً بعد ما يشطّفوا، أو لما تعمل كزدورة بالبيت، بتبلّش ترشّ بالغرف… ما في ريحة وحدة معيّنة، بس دايمًا في شي مألوف.
أنا تربّيت بهيدا البيت، وكل ما إجتمع أنا وأخواتي، دايمًا فجأة بيطلع حديث فيه ذكرى أو نهفة معيّنة، ذكرى حلوة أو ذكرى بشعة. أختي التالتة توفّت بمرض السرطان بالـ٢٠٢٢، ودايمًا بتذكّر شي إله علاقة بهيدا البيت تحديدًا. النهفات اللي كنّا نعيشها أنا وأخواتي، ومع أهلي، أو الضروب اللي كنت أعملهن بأمي وبيّي… كلّها محفورة بالذاكرة. بشتاق للأيام قبل ما إخواتي الكبار يتجوّزوا، وقبل ما أختي تتوفّى. بشتاق لكيف كنا كتار بالبيت.
من وقت ما بلّشت الحرب على غزّة، قلنا إذا صار ما صار، وتوسّعت الحرب، وراحت الأمور إنّه بدنا نِتهجَّر، منروح على الشبانية، ضيعة بجبل لبنان. خالتها لإمّي مسافرة عأميركا، وعندها فيلا هونيك. كانت هيدي الخطة البديلة. إمّي كانت دايمًا محضّرة "الشنطة الجاهزة"، بس احتياط. كل فترة كنا نطلّع منها شغلة ونرجع نحط شغلة محلّها.
نهار الجمعة بأواخر سبتمبر/أيلول ٢٠٢٤، إسرائيل ضربت ضربة كبيرة عالضاحية، حد مجمّع القائم. طلعنا الجمعة بالليل على الشبانية، وضلّينا للأحد. السبت والأحد ما رجع صار شي كبير، فقلنا يمكن كانت ضربة محدّدة، ورجعنا نزلنا عالضاحية يوم الأحد. فكّرنا خلص، يوم الإثنين منرجع كلّنا على أشغالنا، ومنرجع لحياتنا الطبيعية.
بس الوضع توتّر كليًّا بعد كم يوم، بعد الضربة على بئر العبد بالضاحية. بعد هيدي الضربة، حسّينا إنه ما بقى في خيار، وخلص قرّرنا نفلّ للمرة التانية.
كانت خطيبتي بشغلها بوقتها، نزلت وشفتها. كان النهار مأساوي. زملائي ساكنين بالجنوب، وكان التوتّر عليهم أكتر، لأنّه التوسّع بلّش من هونيك، فبلّشنا نطّمن على كل أهلنا وقرايبينا ورفقاتنا بالجنوب. الطريق كانت عجقة كتير، ومش عجقة ناس طالعة مشوار أو نهار أحد… كانت عجقة ناس هربانة من القصف. سيارات فوقها الفِرش، الزمامير، وكل الناس مستعجلة تفلّ. أكيد كان في شعور بالخوف على أحبابي، وعلى ناس يمكن بعد ما لحّقت إطّمن عليهم. صرت أنا بميل، خطيبتي بميل، رفقاتي بميل، وقرايبيني كمان كل واحد بميل.
بهيدي الليلة، بلّشوا يوصلوا كل قرايبيني عالبيت. وبلّشنا نِقسم الغرف؛ كل عيلة أخدت غرفة. الحمد لله إنه البيت كبير، وكنّا بوضع أحسن من غيرنا بمليون مرّة.
نزحت قبل خلال حرب الـ٢٠٠٦ وبعدني واعيلها. ما رحنا بعيد، بس نقلنا على حيّ تاني ببيروت. التجربة كانت مختلفة، لأنه هالمرّة في فارق بالعمر، وحسّيت بمسؤولية أكبر تجاه أهلي، إنّي واقف حدّن، وساعد باتّخاذ القرارات.
بالبداية، أخدت معي بس الأساسيات، متل الأوراق الضرورية، شوية مصاري، وكم قطعة تياب. أخدت كمان أغراض إلها علاقة بأختي المرحومة. وفي شغلات، رغم إنّها مادية، إلها قيمة معنوية كبيرة، متل الكادر اللي بقلبه الكنزة الموقّعة من ليونيل ميسي. لأنه هيدا الشي مربوط بكرة القدم، وبشغفي فيها، وبإحساسي إنّه عندي شي مهم، قدرت إحصل عليه بيتعلّق بهالرياضة، وبكل هالعالم اللي بحبّه. أنا أصلاً كنت شايف الكادر كنوع من الاستثمار. وقت خبّر الناس قديش دافع عليه، ما بيصدقوا، بس إذا كنت بتحب الفوتبول، بتفهم قديش هالكادر إلو قيمة.
في شغلات ندمت إني ما أخدتها، خاصة لما بلّشت شوف الحرب عم تطول، والضربات عالضاحية عم تصير أكتر وأقسى. عرفت عنجد إنّه ما رح نرجع قريب، وقت اغتالوا السيّد حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، بـ٢٧ سبتمبر/أيلول. هيدي كانت من أصعب الليالي… ما بظنّ إني نمت ولا دقيقة. كانت أصوات القصف عالضاحية، والأضواء، عم تبيّن لحدّ الشبانية.
فصرت أجمع كراتين كتير، واشتريت سكوتش، ومقص، وأكياس زبالة نوعيّتهم منيحة. لمّا كنت إنزل على المكتب ببيروت، مع إنّي كل الحرب كنت عم بشتغل (عن بُعد) من البيت، بس أوقات كنت عم بنزل، فقلت بدي صير أمرق عالبيت، وبلّش فضّي قد ما فيّي أغراض. بالبداية، كنت إطلع عالبيت بالتياب اللي نازل فيهن، بس بعدين صرت أوّل ما أوصل إشلحهن، وكان في شورت وكنزة معلّقين، هيدول التياب خصصتن للعتالة.
إسرائيل بوقتها كانت تنشر خرايط بتبيّن المناطق اللي ناويين يضربوها بالضاحية، مش لأنه الإسرائيلي قلبه طيّب. كنت واعي إنه جزء من هالشي كان تضليلي، ليبيّنوا حالن أبرياء، وإنه هني بس عم يضربوا "مواقع إرهابية" حسب وصفهن لحزب الله. بس فكرة الخرايط سهّلتلي أكتر قرار إني روح عالبيت. كنت كل مرة إرجع فيها، شيّك عالتلفون شوف إذا في تحذيرات أو إشارات. وبالضاحية، كل ما كان في تحذير إنه بدّن يضربوا بناية معيّنة، كان الناس الموجودين بالمنطقة يبلّشوا يقوّصوا بشكل مكثّف، تيبلغوا السكان ويخلّوهن يعرفوا إنه في خطر.
كل مرة كنت إنزل فيها على بيروت، كنت عَبّي السيارة بأغراض من البيت. بأول فترة، كانوا أهلي يوصّوني على شغلات، بس بعدين صار ينشغل بالهن وصاروا يقلقوا. فصرت إرجع بسيارة مليانة، وبالليل حمّل الأغراض عالسّكيت، عشان ما يعرفوا إنّي نزلت وما يخافوا.
لمّا طلعنا بالصيفية قبل الحرب على الشبانية، انبسطنا كتير، حسّينا كأن طالعين رفاهية، على مطرح الطقس فيه كتير حلو. بس لمّا اتهجّرنا لهونيك، البيت صار بلا معنى. لأنّه حتّى لو الإنسان تهجّر عأحلى قصر بالعالم، النزوح بيضلّ فيه وجع وتعب معيّن. بالنهاية، الحرب بتطال الكل.
كنّا ٢٥ شخص بهيدا البيت، ودايمًا في حدا يروح وحدا يجي. ومع الوقت، أكيد صار في توتّر وتعب. ما بعتقد في عيلة مهجّرة قطعت هالمرحلة من دون خناقات أو توتّرات. بس بنفس الوقت، العلاقة بيناتنا قويت، وصارت فيها حنيّة أكتر. قدّيش كان في لحظات توتّر، وقدّيش كان في لحظات ألفة.
النهفة كانت مع سِتّي، يلي كانت عاملة حالة قلق أكتر شي. كل ما دقّ الكوز بالجرّة، بدها تحمل حالها وتطلع على ضيعتها كفر بيت بالجنوب، مع إنّه هونيك كان الضرب شغّال عالآخر! كنّا نفيق بالشبانية ونسأل: "وين سِتّي؟" يقولولنا: "طِلعت عالضيعة". مدري كيف كانت تطلع… مقاطعة؟ مدري كانت تطلب من هيدا يوصلها لهون، وهيدا لهونيك… ما بعرف! بس كانت توصل عالبيت، وتفصل التّلفون الأرضي، تيبطل حدا يقدر يدقّلا! كنا نعرف إنها هونيك من جارتها بالضيعة. راحت أكتر من مرة لتقطف الزيتون وتكبسه وتعمل زيت، ومرات بس لأن بدها تكون هونيك. خالي اضطر يروح يجيبها كذا مرة.
كنت عم روح وإرجع عالضاحية، وبالشبانية كنت إطلع إمشي أو إركض. كنّا نلعب طاولة، ونحضر الأخبار. يمكن من الشغلات القليلة الإيجابية بكل هالقصة، إنّي صرت أعرف إلعب طاولة منيح. ضد جدّي ما كنت إقدر إربح… إنو هيدا جدّي بالنهاية. كان يفقعني حبّة الشيش بيش يحبسني فيها.
في ليالي كان يعمّ عليها هيك هدوء... يكون في زعل، خصوصًا وقت يكون في قصف، ونعرف إنّه فُلان انقصف بيته، أو خسر شي كبير.
وليالي تانية، بتلاقينا مجموعة عم تلعب ورق، ومجموعة عم تشرب أركيلة. بس حتى بهاللحظات، كانت أفكارنا دايمًا مع الناس على الجبهات، أو مع اللي بوضع أصعب منّا، ناس ما لاقت مطرح تروح عليه، وناس بلا أكل ولا شرب.
يمكن من الشغلات القليلة الإيجابية بكل هالقصة، إنّي صرت أعرف إلعب طاولة منيح. ضد جدّي ما كنت إقدر إربح… إنو هيدا جدّي بالنهاية. كان يفقعني حبّة الشيش بيش يحبسني فيها.
نزلت عالضاحية بأوّل نهار بعد وقف إطلاق النار. وبما إنّي كنت عم روح كل فترة عالبيت، كنت عارف إنّه في أضرار، بس ما كان في شي كبير.
حتى لو ما كان فينا نرجع نسكن دغري بالبيت، بس لحظة فتحة الباب لحالها كانت كافية. هالمرة فتحت الباب وأنا مرتاح. ما عاد في داعي فكّر إذا البيت رح يبقى أو لأ. ما عاد في داعي ضبّ، ولا آخد، ولا أحسب إذا في أضرار، ولا أعمل سيناريوهات براسي.
بس مش بهيدي الليلة رجعنا نمنا بالبيت، لأن كانت في مشكلة كهربا، ومشكلة مي، وكان لازم يتنضّف. كان في متل خنقة بالجو، لأن صار في كذا ضربة حدّنا. وبصراحة، ريحة البيت كانت كتير بشعة… غبرة بكل محل، وريحة بارود.
رجعنا عالبيت، بس بحسّ في تشاؤم، أو خيبة أمل، جوّات الكل. الناس تعبانة. الناس زعلانة. مبسوطين إنّهن رجعوا عبيوتهم، وعلى أرزاقهم… بس الكل عم يسأل: كل هيدا شو إله فايدة من بعد ما السيّد حسن نصرالله استشهد؟ الناس اللي خسرت بيوتها، وتعب عمرها، عم تتساءل شو بدها تعمل هلّق. والناس اللي رجعت على بيوتها وأرزاقها، عم يسألوا نفس السؤال: لوين رايحين نحن هلّق؟
ما في حدا ما رجع مختلف بعد الحرب. الحرب بدها تترك أثر بقلب كل إنسان. ما حدا حاسس بأمان. صحيح في وقف إطلاق نار، بس ما حدا حاسس إنه الحرب خلصت. إذا كنتي عم تحضري الأخبار وعم تشوفي الانتهاكات، بتعرفي إنك بعدك عايشة بهيدي الحالة. وإذا الواحد مش عم يحضر الأخبار، مثلًا بسمع مسيّرة الـ"أم كا" الإسرائيلية فوقي، وبتذكّر إنه بعدنا بقلب الحرب.
الوضع بعده مش مستقر، وفي جوّ توتّر حوالينا، بس عم جرّب إتقبّل هالواقع بهالقدر من الأمان. الحرب خلّتني حس إنّي بدي ضل بلبنان. بدي طوّر شغلي، وبلّش مشروع هون. بحب ضلّني عايش بين أهلي وأصحابي. أنا وخطيبتي، إن شاء الله، بدنا نتجوّز قريبًا. ما بدنا نتغرّب، بدنا نضل هون. هون بدنا يكون مستقبلنا.
ما في حدا ما رجع مختلف بعد الحرب. الحرب بدها تترك أثر بقلب كل إنسان.
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))