ليو

أم من سيراليون لطفلة في الخامسة من عمرها. انتقلت للعيش في جنوب العاصمة بيروت قبل سنتَين لكسب رزقها كعاملة منزلية. 

"في طريقي إلى هناك، كنت أبكي وسجّلت شريط فيديو لإرساله إلى أهلي. وقلت لهم ’إن لم تروني مجددًا، فهذا هو السبب. هناك حرب‘".

أعمل في تنظيف المنازل وفي ٢٣ سبتمبر/أيلول ٢٠٢٤، يوم بدأت إسرائيل قصفها المكثّف لبيروت، كنت منهمكة في عملي. اطلعت على أخبار الحرب على هاتفي. 

أعمل في تنظيف المنازل وفي ٢٣ سبتمبر/أيلول ٢٠٢٤، يوم بدأت إسرائيل قصفها المكثّف لبيروت، كنت منهمكة في عملي. اطلعت على أخبار الحرب على هاتفي. 

كنت أتشارك شقة مع سبع نساء في الجندولين، وهو حيّ في جنوب بيروت. فعندما عدت إلى المنزل، رحنا نتشاور ما إذا كان يجب علينا الذهاب إلى العمل أم لا في اليوم التالي. بدأت أسمع أصوات القصف لكن ظننت حينها أنه بعيد.

وعندما بات القصف قريبًا أكثر، شعرت وكأنّ المبنى سينهار. كان المبنى يرتجف. هبّ الناس بالهرب وكنت في حالة هلع وبكاء. لم أعرف أين أذهب. فأنا من سيراليون ولم يمر على وجودي في لبنان السنتَين. لا أعرف مناطق عدة من لبنان ولم يكن لدي أي مكان آمن ألجأ إليه.

عندما غادرت، أخذت معي هاتفي وإنجيلي فقط. يرافقني إنجيلي أينما ذهبت. أحتفظ به منذ العام ٢٠١٢ وجلبته معي من سيراليون. يعني لي الكثير. فهو يحميني. 

طلبت المساعدة من بعض الأشخاص لكنهم إمّا لم يفهموني أو طلبوا مني الابتعاد. كان بعض أصدقائي قد هربوا إلى منطقة الروشة على كورنيش بيروت. فتوجّهت مشيًا على الأقدام إلى هناك. وكنت أغيّر طريقي كلما رأيت دخانًا يتصاعد من القصف. 

وفي طريقي إلى هناك، كنت أبكي وسجّلت شريط فيديو لإرساله إلى أهلي. وقلت لهم ’إن لم تروني مجددًا، فهذا هو السبب. هناك حرب‘.

نمت على الرصيف في الخارج لبضع ليالٍ. ثم انتقلت أنا وبضع نساء أخريات من سيراليون إلى ساحة الشهداء، وهي ساحة عامة في وسط بيروت. لكن أمرنا الجيش بالمغادرة في صباح اليوم التالي. ثم عدت لأنام على الرصيف لليلة أخرى لحين أتى بعض رفاقي الذين يعملون في عرمون، وهي بلدة في جبل لبنان، لاصطحابي معهم. 

لكنني كنت أسمع أصوات القصف في عرمون أيضًا فعدت إلى بيروت. توجهت للنوم على أرصفة الروشة. كان بعض الناس الذين رأونا هناك يذهبون إلى المحلات التجارية ويبتاعون المأكولات لنا. وأعطانا البعض الآخر المال. فهكذا عشنا في تلك الأيام.

بعد بضعة أيام، في أوائل شهر أكتوبر/تشرين الأول، أتى أشخاص من Goodwill Migrant Shelter التي أسسها متطوعون لبنانيون خلال الحرب، إلى حيث كنّا ننام. في البداية، عندما أخبرونا عن الملجأ، لم أشأ الذهاب. ظننت أنهم قد يختطفوننا، فلم أشأ الذهاب معهم. وظننت أنهم قد يقتلوننا لأننا أفارقة. 

فقد عانيت الأمرَّين في الحي الذي كنت أقطن فيه بسبب لون بشرتي. فقد كان الأطفال يرشقوننا بالحجارة ويُطلقون النِعات علينا. وكان مالك المنزل يأتي من حين إلى آخر إلى الشقة ويطالبنا بالمزيد من المال ويهددنا بالطرد. في يوم من الأيام، دخل أحد الرجال عنوةً وحاول استغلال إحدانا. وفي إحدى الليالي، خرجت لشراء الخبز وشهر أحد الرجال مسدسه نحوي.

لكنّ المتطوعين من الملجأ أصرّوا بالقول إنّهم لا يريدون أذيتنا وإنّهم يريدون تأمين مكان آمن لنا. شعرنا بأنّهم طيبون وقررنا منحهم الفرصة.

جلبوا باصًا ليقلّنا وكنا في غاية السعادة عندما صعدنا في الباص. رحنا نلتقط الصور والفيديو. وعندما وصلنا إلى الملجأ، كدت أنسى كل المعاناة لأنّهم رحّبوا بنا وكانوا جِد لطفاء. لقد نظموا كل شيء لنا. فشعرت بأنه لا داعي للبكاء أو الشعور بالخوف أو الهلع بعد الآن.

وعندما وصلنا إلى الملجأ، كدت أنسى كل المعاناة لأنّهم رحّبوا بنا وكانوا جِد لطفاء. لقد نظموا كل شيء لنا. فشعرت بأنه لا داعي للبكاء أو الشعور بالخوف أو الهلع بعد الآن.

كنّا أكثر من ٢٠٠ شخص في المركز. مرحنا كثيرًا هناك! لعبنا ورقصنا واستمعنا إلى الموسيقى. وشاهدنا التلفاز أيضًا. وأمّنوا لنا الأكل. في البداية، كانوا يحضّرون المأكولات اللبنانية لكن عندما طلبنا المأكولات الأفريقية، أمّنوا لنا المكوّنات وتناوبنا على تحضير الأطباق.

في البداية، أردت مغادرة لبنان. لكن قررت البقاء. إذ علمت بأنّ هذه الحرب ستنتهي يومًا ما. فقلت في قرارة نفسي: "يجب أن أتحلى بالصبر. فأنا هنا لكسب المال وسأتمكن من استئناف العمل مجددًا".

في أوائل يناير/كانون الثاني ٢٠٢٥ -أي بعد أكثر من شهر على بدء وقف إطلاق النار- وجد لنا متطوعون من الملجأ منزلًا في برج حمود، شمال بيروت. أتشارك الشقة مع امرأتين. كلاهما لا تستطيعان العمل بسبب إصابات تكبدّتاها جرّاء العمل في المنازل. أما أنا فلم أجد عملًا بعد. تعرّفت على بعض العملاء الذين أمّنوا لي العمل لكن بعد إتمامي للعمل لم يدفعوا لي. أشكر الله على مساعدة المتطوعين لي. إنّهم يساعدوننا.

آمل أن أعمل أكثر في الصيف. أريد البقاء هنا في لبنان والعمل لفترة ثم العودة إلى بلدي لإكمال علمي. درست إدارة الأعمال في سيراليون لكن لم أستطع متابعة تخصصي بسبب الكلفة العالية. عانت أمي كثيرًا وقد منحني هذا الشجاعة الكافية للمجيء إلى لبنان. كان هذا كل ما أستطيع أن أفعله لأجلها، ولأجل أهلي، ولأجل إخوتي، ولأجل ابنتي سالي. إنّها في الخامسة من العمر. أردت أن أؤمن بعض السعادة لهم. 

وفي الوقت عينه، نقضي أوقاتًا ممتعة هنا مع بعضنا في الشقة. إذ نشاهد التلفاز ونمرح ونتحدّث. كما ندخّن الأركيلة ونستمع إلى الموسيقى. إننا نشعر بالأمان هنا. أحب روح التلاحم هنا في الحيّ. أشعر بأنّ الناس هنا قد يدافعون عنا ويدعموننا. 

لا أشعر بأن الحرب قد انتهت تمامًا. لا نزال نسمع أحيانًا أصوات الطائرات والقصف، لكن ليست كما في السابق عندما كنا نسمعها كل دقيقة، الواحدة تلو الأخرى، وطوال الليل. 

فقدت أمورًا كثيرة خلال الحرب. إذ فقدت أصدقاء لأنهم غادروا لبنان. وفقدت دفتر يومياتي الذي احتفظت به منذ وصولي إلى لبنان. اعتدت أن أكتب فيه كل يوم عن نشاطاتي وأسماء أشخاص وتفاصيل الاتصال بهم. أفتقد هذا الدفتر كثيرًا. لم يُدمّر المنزل حيث كنت أعيش لكنّ المالك رمى كل أغراضنا.

تعلّمت من تجربة الحرب التفاعل مع أنواع مختلفة من الناس من بيئات مختلفة. وتعلّمت الكثير من الأشخاص الذين يديرون الملجأ. لم يعاملونا بطريقة مختلفة عن معاملتهم للبنانيين. وكانوا مُشجعين لنا، دائمًا. أحب أن أكون برفقة الناس، إذ يمنحني هذا الطاقة. 

أشعر بأنه بانتظاري مستقبل مشرق وعليّ أن أسعى لتحقيقه. تعاني عائلتي الأمرَّين. لذلك عليّ العودة إلى بلادي وارتياد الجامعة والمضي قدمًا. أنا مصرّة على تحقيق ذلك.