نور
امرأة تعمل في المجال الإنساني وهي في الثامنة والعشرين من عمرها. ترعرعت في حيّ الحوش في محيط مدينة صور في جنوب لبنان.
"شعور إنّه أنا بدي فلّ... كتير صعب. فكأنّ عم شيل روحي من جسمي، أو العكس. إنّه تاركه شي، بس بنفس الوقت بدّي آخد كل شي معي. بدّي روح على مطرح هوّي آمن، بس بالنسبة إلي، المطرح الآمن هو المطرح اللي أنا تركته."
أنا اتزوجت بـ٨ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٣، نهار اللي ولعت فيه الحرب على غزّة. العرس كان بالحوش، الحيّ اللي تربّيت فيه بصور. كانت أحلى ذكرى... وآخر ذكرى من الحوش.
نحن كنا محتارين إذا منروح على شهر العسل أو منبقى. كنا حاجزينه ودافعينه مسبقًا، والوضع كان مش مستقر. آخر شي قررنا نروح، ورجعنا بـ٢١ أكتوبر/تشرين الأول. هيدا كان أول يوم لإلي بالبيت الجديد بالبازوريّة، ضيعة قريبة من صور.
بعد كم يوم، بلّشت تصير بالبازوريّة عمليات اغتيال لأشخاص. كنت حسّ دايمًا بقلق، وما كنت نام بالبيت. صرت حسّ إنه بأي لحظة ممكن تولع الحرب ونضطر نفلّ. فانتقلنا على صور، على بيت أهل زوجي. وبنهاية كل أسبوع، كنت أطلع جيب تيابي لبقية الأسبوع كرمال الشغل.
بعد شي شهرين، قررنا أنا وزوجي إنه نرجع على بيتنا ونضلّ فيه. بنهار عملية البايجرز، كنت بالشغل، وصرت شوف المشاهد قدّامي. خفت إرجع على البيت لحالي، وبيت أهله كان أقرب، فقلتله أنا رح روح عند أهلك. ومن وقتها، نحن قاعدين هونيك، لدرجة ما قدرت أطلع على البيت حتى آخد غراضي.
بـ٢٣ سبتمبر/أيلول، بس بلّشت إسرائيل القصف القوي، صارت العالم تضبّ غراضها وتهرب. كان معي بس ٤ غيارات للشغل. أوّل مرّة نزحت فيها، أخدت معي دهباتي. ما كانت قيمتن كتير، بس كانوا هدايا وبيعنولي كتير.
بهيداك النهار، بتذكّر الساعة ١ الظهر، قررنا نروح. وأوّل توجّه كان نروح على بيت خال زوجي لأن ساكنين ببيروت. كان نهار صعب. كان في عجقة سير كبيرة لأن كل الناس كانت عم تهرب، وكنت أنا وزوجي وولاد إخته بسيارة، وأهله وإمّه وبيّه وإخته وبنتا بسيارة تانية. أصعب شي كان إنه عالأوتوستراد، إذا بدنا نتواصل مع حدا لما نضيّع بعض، ما كان في إرسال عالتلفونات.
كان في عجقة سير كبيرة، وكان في عنا هيدا الخوف من إنه يستهدفوا الأوتوستراد أو الجسر متل الـ٢٠٠٦. وصلنا على بيروت الساعة ٩:٣٠ المسا، وقدرت إطمّن عأهلي وإنه وصلوا مطرح ما رايحين هني كمان. أهلي انطلقوا بكّير أكتر منّا، وراحوا على منطقة تانية. البابا وخيي ما كانوا بعد مقرّرين يجوا، كان بدن يساعدوا الناس. البابا بيشتغل بالدفاع المدني، وهو من النوع اللي بيشتغل كتير أعمال إنسانية. فبيقول: "أنا بهيدا الوقت، كيف بدّي إترك الناس وكون أنا عم بهرب؟"
بعد كم أسبوع، قرروا يجوا، لأنه ما حدا كان بمأمن عن الخطر. كانوا عم يستهدفوا حتى الأشخاص اللي ضلّوا ليأمّنوا المساعدات الإنسانية أو أي شي إنساني. خيي، كدفاع مدني، كان قريب عالمنطقة، واتصاوب برجله.
بقينا ليلة وحدة عند بيت خال زوجي، وكانوا كتير مناح معنا واستقبلونا. تاني يوم، رحنا على ديك المحدي بجبل لبنان. استقبلنا زميل أخت زوجي، وكنا كلنا شي ١١ شخص، وضلّينا عنده شهرين. هيدا الإنسان كان كتير لطيف، ونحن كل فترة الحرب ما دفعنا أي أجار.
أنا بشتغل بالموارد البشرية بمنظمة إنسانية. ونحن، كمنظمة إنسانية وكمستجيبين أوليين بالحرب، ما فينا نكون قاعدين وما نعمل شي. كان في كتير شغل وخطوات لازم تتاخد.
المنطقة اللي كنا قاعدين فيها كانت كتير حلوة. كنا نقول إنه في كتير قصص حابين نعملها، حابين نروح عليها، وفي مطاعم منحب دايمًا نروح ناكل فيها... وما كنا نروح، لأنه عنجد النفسية ما كانت أبدًا حلوة. هيدي الطاقة ما كانت موجودة أبدًا، بصراحة.
أصعب شي إنه كنت بعيدة عن الكل. فرفقاتي المقرّبين مثلًا، ما شفت حدا منهن. أهلي كانوا بعاد عني شي ٣٠ دقيقة، يعني ما كانوا بعاد، بس كنت قاعدة بمنطقة العالم كلا منا عايشة الشي اللي عم عيشه. عالم عم تجهّز لعيد الميلاد، وعالم لاحتفالات معيّنة، عالم ضاهرة على مطاعم... وأنا بمطرح تاني. أنا بمساحة خيفانة، ما عارفة بكرا شو رح يكون، خايفة على بيتي وعلى عيلتي.
العالم فوق كانوا كتير مناح. كان في اختلافات ثقافية ودينية، بس كمان كان في تضامن. وقتها بلّش الطقس يبرد، وكلنا معنا تياب صيفية، فاتصلوا فينا من البلدية لأنه في عالم عم تتبرّع بشالات وجاكيتات للمهجّرين.
كان في ضرب عطول بالبازوريّة، بس ما توقّعت إنّي إخسر بيتي. بـ١٠ أكتوبر/تشرين الأول، نهار اللي ضربوا بيتنا، كنت عم بشتغل من البيت. فجأة إجا لعندي زوجي وقلّي إنه ضربوا البازوريّة.
هلأ عادةً أنا فايتة بمجموعة واتساب لأخبار البازوريّة، اللي هني من الدفاع المدني، واللي بعدهن صامدين بالضيعة لحتى يبعتوا أي أخبار. وأنا بنفس الوقت كنت عم شوف عالتليفون على الغروب إذا في شي. فجأة، بنت إختو بتصرخ وبتقول: "بيتي، بيتي!"
هني ساكنين تحتنا بالبناية، فدغري أخدت التليفون منّا لشوف شو شافت. شفت صورة يمكن واضحة إنه البيت، بس أنا كنت عم قول هيدي البناية مش إلنا، هيدي البناية التانية. ما صدّقت. وأنا كنت بعدني منّي مصدّقة لحد ما بعتوا فيديو.
الفكرة إنه كيف مبنى بـ١٢ شقة، ومقسّم على مربّعين، بصير على الأرض؟! كانت صدمة. الكل عم بدقّلي، أهلي عم بدقّولي، وأنا ما عم بحكي مع حدا. بكيت كتير... بكيت كتير.
نحن مشينا الساعة ٣ الصبح على الجنوب، بنهار وقف إطلاق النار. فوصلنا حوالي الساعة ٦ الصبح على صور. أوّل شي عملناه، شفنا شو صاير بصور. أنا بقول يا ريت ما رحنا وشفنا الشوارع، لأن كأنّه مدينة أشباح. ما في حدا، بس في دمار.
قبل ما نوصل على البيت بشي ٥ دقايق، بلّشت غمّض عيوني كرمال ما شوف، وبلّشت إبكي. بقيت أنا قاعدة بالسيارة، ما نزلت. ما كان في شي أبدًا، ما كان في شي! ما بتقدري تعرفي أصلًا وين شقتِك، ووين غراضك، ووين بيتك. زوجي كمان صار يبكي.
وضلّيت على فترة، وبعدني لهلق... بتذكّر، لأوّل مبارح، مرقت من حدّ البيت ودغري نزلوا دموعي. أنا جرّبت، بعد ما طلعنا أوّل مرّة، فتّش على غراض، وشوف إذا بقدر طلّع شي. فمثلًا، بلاقي لإلي تياب بعدها بالورق، بس مخزّقة، أو اتخرّبوا من الشتي والشمس.
هلّأ، أنا وقت كان عم بصير في كتير نزوح، أكيد كمصاري ومجوهرات، ما كانوا موجودين بالبيت. دايمًا كانوا معي، أو عند بيت عمّي، أو عند أهلي. بس تركنا إشيا غير بالبيت. وفي وراق الزواج لإلنا بعدهن هونيك. في هدايا كتير بتعنيلي، فكل زاوية بالبيت بتذكّرني بحدا. أنا، من وقت الخطبة، وكنت عم جهّز للبيت، كان كل ما يجي عيد ميلادي قلّهن لرفقاتي: "جيبولي شي للبيت، ما تجيبولي شي لإلي".
أنا كتير بتعلّق بالتفاصيل. في إشيا كتير بتعنيلي... أوقات، فاتورة مطعم بحفظها لأنه بتذكّرني، مثلًا، بتاريخ معيّن أو من شهر العسل. كل شي بيعنيلي. كل زاوية بالبيت، خصوصًا إنه ما لحّقت إتهنّى فيه. إذا بدّي عدّ، قعدت بالبيت كلّن على بعضن يمكن شهرين.
هلّق ساكنين عند أهل زوجي بصور. كانت صعبة القدرة على التأقلم واستيعاب الفكرة إنه خسرت البيت. وبنقهر أوقات من حالي لمّا ببكي على البيت، بينما في أرواح كتير راحت بالحرب. في عالم خسرت أهاليها وولادها وبيوتها وعيلها. في عيل انبادت كلّها وبطّلت موجودة. وبجرّب كون قويّة، إنه أنا منيحة ومبسوطة والحمد لله، بينما أنا عنجد متدايقة وخسرت كتير.
وكمان خلال الحرب، حبلت وروّحت. لمّا عرفت إني حبلة، كنت بين إنّه إبكي وبين إنبسط، لأنّي خايفة ما كون قدّ المسؤولية بسبب الحرب.
زوجي هوّي أكتر حدا تغيّر. قبل، كنّا نحب نضهر ونغيّر جو ونعمل قصص، هلق لأ. وأنا كمان لأ... بحسّ إنّه نحن هلأ مهم وجودنا مع العيلة. كلنا عم نحاول نخفّف على بعض، لأن منعرف إنّه نحن لهلأ مش بأمان ومستقرّين. مش عارفين شو في لبعدين.
منفكّر إنّه يمكن بكرا، لمّا إرجع عمّر، ما رح إتأنّى فيه هلقد للبيت. خايفة إرجع أعمله بطريقة حبّو كتير فيها وإتعلّق فيه، وبعدين إخسره. كمان، لهلأ ما نحكى بالعمار... حتى بعد وقف إطلاق النار، في خوف. هيداك النهار بالشغل، صوت المسيّرة الإسرائيلية كان كتير عم بيشوّشلي تركيزي. دغري من بعدها عرفنا إنه ضربوا سيارة.
نحن كمان بالـ٢٠٠٦ خسرنا بيتنا. لسنة ٢٠١٣ لحتى نقلنا على البيت اللي تعمّر. وبكل هيديك الفترة، كنّا مهجّرين ببيت، بس كان بيت منّو مدهون، بعده عالورقة من جوّا. كنّا نحط تيابنا بكراتين، وكنّا كلنا ننام عالأرض، أنا وأهلي. فلهلأ خايفة يطوّل العمار، وضلني مشمشطة.
شعور إنّه أنا بدي فلّ... كتير صعب. فكأنّ عم شيل روحي من جسمي، أو العكس. إنّه تاركه شي، بس بنفس الوقت بدّي آخد كل شي معي. بدّي روح على مطرح هوّي آمن، بس بالنسبة إلي، المطرح الآمن هو المطرح اللي أنا تركته.
شعور إنّه أنا بدي فلّ... كتير صعب. فكأنّ عم شيل روحي من جسمي، أو العكس. إنّه تاركه شي، بس بنفس الوقت بدّي آخد كل شي معي. بدّي روح على مطرح هوّي آمن، بس بالنسبة إلي، المطرح الآمن هو المطرح اللي أنا تركته.
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))