راغدة
امرأة في السادسة والعشرين من العمر، لاجئة سورية، وأم لولدَين، وهي تعشق البحر.
"مستحيل إقدر إتأقلم بسرعة، بدّي وقت كتير لحتى إقدر إرجع للإنسانة اللي كنت فيها وأنا طفلة قبل ما فلّ من سوريا أوّل مرّة. بدّي وقت كتير لحتى إقدر إتذكّر شو كنت إحلم."
أنا من محافظة إدلب، شمال غرب سوريا. نزحت على لبنان بالـ٢٠١٣، وكان عمري تقريبًا ١٤ سنة لما أهلي راحوا على لبنان بسبب الحرب بسوريا. وهلّق عمري ٢٦. يعني الفترة اللي قضّيتها بلبنان لحالها بتكفّي إنّه صير إعتبره بلدي التاني.
يعني هلّق صح أنا بسوريا، بس عندي حنيّة كبيرة للبنان، مع إنه عانينا كتير. منحِنّ للأماكن اللي سكنّا فيها. أنا تنقّلت كتير، وأنا متجوّزة، كل ما نلقط فرصة شغل أو شي، نترك ونروح على منطقة تانية. آخر شي طلعنا على ضيعة بكسروان، مطرح التلج وهالقصص. فكانت القعدة حلوة كتير هونيك، بس غالية كتير.
قبل الحرب بلبنان، كان صارلنا عمر متحمّلين ونقول "إن شاء الله بتفرج" و"يلا بعدين بتفرج". بس لما صارت هالحرب، تكرّر السيناريو قدامنا. يعني أول شي بسوريا، وهلق بلبنان. حسّينا كأنه بلدنا رجعت من أول وجديد على الحرب. فاضطرينا نقول منرجع على سوريا، هيك ولادي بيضلّوا عند بيت جدّن وبين ناسي، منأمّن عليهم أكتر.
كلاجئين سوريين صرنا كمان نازحين. النزوح بشكل عام هو قصة صعبة كتير. فكنا عايشين بأمان بس كان في كتير قوانين مفروضة على السوريين بلبنان.
لما سكّنا بكسروان، كان في كتير إشيا ممنوعة على السوريين: كان ممنوع نطلع بعد الساعة سبعة، وممنوع نعمل تجمّعات. بيحطّوا على السوريين قوانين، فنحن كنّا نلتزم بس غيرنا ما يلتزم. فيلّي ما بيلتزم بيخرّب علينا. وكان كتير في عنصرية.
كانت الزيارات تقريبًا مستحيلة. كنّا نضل تحت الضغط، وبالبيت، ما نقدر نشوف ناس، وما نقدر نطلع، كمان هاد الشي بيأثّر على نفسية الإنسان، إنه بشكل عام بيأثّر على كل شي. الإنسان بحاجة يشوف أشخاص بحياته.
وعَدا عن إنه ما في مدارس للسوريين. أنا ابني مثلًا هلق تقريبًا صار عمره ٤ سنين ونص، ولا كنت حطّيته بروضة، ولا بقدر حطّه بمدرسة.
وصارت قصة الجيش، كل فترة والتانية يطلعوا مداهمات ياخدوا سوريين ويروحوا. فعملت هيدي القصة خوف كتير عند العالم. بنيسان ٢٠٢٤ إجو الجيش أخدوا وقتها زوجي والبابا. ضلّوا شي نهارين وودّوهن على الحدود ورجعوا. أخدوهن هنيك المهرّبين، فوّتوهن على لبنان. كان زوجي مطلوب للخدمة من نظام الأسد. ما كان في يروح على سوريا.
بالأخير طلعنا من لبنان بسبب تراكمات، يعني أكتر من شغلة.
أوّل ما بلشت الحرب، عداكِ عن إنه غلاء الأسعار زاد طقّين، صارت العالم تخاف كتير. صار في نزوح على المنطقة. فصاروا يستغلّوا هالنازحين، فصرنا نحن اللي ناكلها. مثلًا يجوا العالم من هنيك يأجّروهن البيت بـ٥٠٠ دولار أو٦٠٠ دولار، ونحن نكون آخدين البيت مثلًا بـ١٠٠ دولار. فيقوموا يزوّدوه علينا.
وقت الجيش أخد زوجي كان ابني مريض. فأخدناه على المستشفى وحطّولوا دم، وعرفنا إنه بيفوّل. بس المستشفى ما قالولنا إنه في أدوية ما لازم ياخدها أو في بقوليات ما لازم ياكلها.
اضطرينا ندخله على المستشفى مرة تانية وكانت تكلفة اللية بالمستشفى حدنا ٨٠٠ دولار. ونحن مسجّلين بالأمم المتحدة، بس ما بيطلعلنا شي. كانت المستشفيات كتير غالية فوق، فنضطر نروح على بيروت، وهيدا واحد من الأسباب اللي خلّتنا ننزل على سوريا. وبالعيلة كان بس زوجي هو عم يشتغل لحاله، فراتبه بيقبضه من هون، بيروح أجار بيت، واشتراك، وكهربا، وانترنت.
ما صار حرب وقصف بمنطقة كسروان، بس إنه منطّلع كَمنطقة، إنه بسوريا حرب وبِلبنان حرب، وهون مصاريف. فقلنا لأ، أنا بروح على بلدي أحسن. عالأقل ما عندي أجار بيت، ما عندي دفع. وإبني وبنتي بينحطوا بمدرسة.
وقلنا خيّه لزوجي إنه خلاص تعالوا على سوريا. ونحن على أساس فايتين نظامي على سوريا. وكنّا نأجّل الطلعة لأن هيك بصير في شعور إنه حنترك دولة كانت متل دولتنا. هالشي كتير صعب، وخصوصي عليي أنا، لأنه صار لي فترة كتير كبيرة بهيديك المنطقة، وكتير بحبها. فتعلّقت فيها كتير.
بعد ما طلع إبني من المستشفى تاني مرّة قررنا ننزل على سوريا. بعنا غراض البيت وضبّيت شنطتين وضبيت فيهن الأشيا اللي بحبها كتير وتيابنا أنا والولاد. وكنت جايبة ماكياج من لبنان وزوجي هاديني قنّينة عطر ببوكس على عيد الفالنتاين. وهيدي لسا ما كانت مستعملة وبقلب البوكس.
غراض البيت بعناهن بـ٣٠٠ دولار، بس إنه كان خلاص ما بقى نتحمّل. كانت أكتر سنة بتمرق هيك عَلى السوريين. ما بحكي عن حالي بس. أكتر من حدا بعرفه رجع على سوريا. كانت العالم ضاجت وكرهت وملّت من العنصرية ومن الغلاء، وإنه ولادهن قعدوا كل هالعمر بدون مدارس. العالم ما بقى تقدر تتحمّل.
هلق رحلة الرجعة كانت خطرة لأن منطقة فيها حرب وما بيعرف الواحد بأي لحظة ممكن تضرب الطيارة وما منعرف حدا بالمنطقة. إنه إذا صار شي وين بدنا نهرب، وين بدنا نروح؟ كنّا خايفين وبنفس الوقت مشاعرنا مخربطة. لأن رايحين على دولة تانية، حتى لو هي بلدنا، بس ما عنا شي فيها. نزلنا على سوريا بـ٢٥ نوفمبر/تشرين التاني ٢٠٢٤ قبل بكم يوم من وقف إطلاق النار بلبنان.
نزلنا أول شي على برج حمّود وقعدنا يومين هنيك. رجعنا رحنا على صبرا ببيروت مطرح تجمّع الباصات. طلعنا بالباصات وطلعنا على طرابلس ومن هنيك على الحدود. نطرنا على الحدود السورية - اللبنانية كتير، كنا طلعنا تقريبًا من الساعة ٩ الصبح ووصلنا على الحدود، بس للساعة ٩ المسا بقينا فيها. كان الباص كامل، وكل واحد لوحده، بيفوّتوه على التحقيق وهالقصص.
هلق كل شوي كان صاحب الباص عدا إنه بيتخلّق فينا، كان ياخد منا كل شوي مصاري وهاتي مصاري. طول الطريق ضلّينا عم ندفع. بس كل شوي هاتوا هالمبلغ لهيك أو هاتوا هالمبلغ للتصوير، هاتوا هالمبلغ لشي تاني. قطعنا حواجز بمناطق النظام، وبعدين قطعنا على مناطق الأكراد. وبعدين جينا على معبر.
حطّونا بأرض كلّها فاضية. وحوالينا هاد متل اللي بيقولولوا الراصد، بيحطّوا متل الرمل، وحطّونا. قالولنا: "بتضلّوا موطّيين. هاي منطقة حرب". ضلّينا قاعدين. بس هاد المكان شفت فيه الرعب كتير.
ضلّينا قاعدين لحتى إجت سيارة وأخذونا على المناطق المحررة. يعني لَبعد ما وصلنا، لَحتى عرفنا إنه نحن داخلين تهريب. نحن أساسًا جايين باص نظامي وإنه أمورنا نظامي. بس هِنّي دخلونا عن طريق شبكة تهريب. تكلفنا ٨٠٠ دولار.
يعني نحن و جايين على الطريق، كان عم يبلّش تحرير سوريا. وكانت عم تنقصف إدلب من الطيران. فاستلمنا خيّه لزوجي. كنّا نيجي على هاد الطريق، فيقولولنا لأ، غيروا هالطريق عم ينقصف، روحوا من غير طريق.
بالآخر وصلنا على منطقة زوجي، بالقرى اللي جنب جسر الشغور بإدلب. حاليًا ساكنة مع حماتي بنفس البيت. أما شنط التياب وصلونا تقريبًا بعد ١٥ يوم أو الشهر. مش كل التياب وصلوا، سارقين منن، حتى سرقولي قنينة عطر زوجي هاديني ياها. أخدولي العطر وتركولي البوكس.
الحياة هون غير وحاليًا ما عندي تأقلم، لسا شوي. حاليًا لسا عم نحاول نوجد نفسنا. أنا عم أدرس لكمّل باكالوريا، زوجي بدو يشتغل شغل جديد. أنا كنت خلصت صف تاسع بس رحنا من سوريا على لبنان وهلق بدّي قدّم امتحان الباكالوريا.
لسا ما عندي بيت هون، إنه ما معمرين وبدنا نأسس من الصفر. فينا نعمّر شي هون وولادي فيهن يروحوا على المدرسة. بينما بلبنان حسّيت حالي ما عم بعمل شي.
أكيد العنصرية اللي عشناها مستحيل أنساها. القصص اللي صارت والرعب اللي أكلناه، والحرب اللي رجعت علينا مرة تانية، كمان مستحيل إقدر إنساها. غيّرت شخصيتي من إنسانة متفائلة لإنسانة يائسة. عم حاول إنّي ارجع متل قبل، بس مستحيل إقدر إتأقلم بسرعة، بدّي وقت كتير لحتى إقدر إرجع للإنسانة اللي كنت فيها وأنا طفلة قبل ما فلّ من سوريا أوّل مرّة. بدّي وقت كتير لحتى إقدر إتذكّر شو كنت إحلم.
هلق في كتير قصص حلوة بتصير بلبنان. بكل مطرح إلو ذكرى خاصة بالقلب بتضلّ. عندي أشخاص كتير تعرّفت عليهم بلبنان وصاروا أصحابي. أحلى لحظة بالنسبة إلي كانت الروحة عالبحر. هلق صح ما كنت روح كتير، بس إنه أحلى لحظة وقت روح عالبحر، بعمل كاسة متّة، بقعد عالبحر، هيدي اللحظة بنسى الدنيا وما فيها، أحلى لحظة.
حبيت العيشة بلبنان من كذا ناحية. بس ما كنّا قادرين نبقى. هاي أكتر سنة صعبة كانت بتمرق على السوريين.
أكيد العنصرية اللي عشناها مستحيل أنساها. القصص اللي صارت والرعب اللي أكلناه، والحرب اللي رجعت علينا مرة تانية، كمان مستحيل إقدر إنساها. غيّرت شخصيتي من إنسانة متفائلة لإنسانة يائسة. عم حاول إنّي ارجع متل قبل، بس مستحيل إقدر إتأقلم بسرعة، بدّي وقت كتير لحتى إقدر إرجع للإنسانة اللي كنت فيها وأنا طفلة قبل ما فلّ من سوريا أوّل مرّة. بدّي وقت كتير لحتى إقدر إتذكّر شو كنت إحلم.
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))