رهام
أمّ في الثامنة والثلاثين من العمر ولديها ثلاثة أولاد. تركت سوريا قبل ١١ عامًا هربًا من الحرب واستقرّت في بلدة الكرك في شرق سهل البقاع في لبنان.
"بس يسكّر هيدا المركز، ما بعرف لوين بدي روح. ناطرة رب العالمين يفرجها عليي، ويمكن الله يرتّبلي الأحسن."
لمّا إسرائيل هددت تضرب، ما كنت قادرة صدّق. أنا بالأصل من درعا، من سوريا. تزوّجنا بسوريا، وبعد ٨ شهور طلعنا أنا وزوجي لهون بسبب الحرب والوضع هنيك. كنّا عايشين ومبسوطين. جيت على لبنان من ١١ سنة.
طبعًا أنا عندي وضع صحّي خاص غير عن العالم كلها، عندي شلل بالجزء السفلي. يعني وضعي ما بيسمحلي مثلًا أشيل طفلتي بحضني، فكنت خايفة إذا صار شي، ما أقدر طلّع ولادي من البيت. كرسيّي المتحرّك هو الولد الرابع… ما فيني إستغني عنّه.
هيدا الشي كتير أثّر عليي وعلى نفسيتي. كنت أطلب من زوجي، إذا صار في قصف، يفلّ بولادي، كرمال أنقذ حدا من عيلتي. صرت خلّي الكرسي المتحرّك بباب البيت، منشان إذا صار في ضرب بأي لحظة نكون جاهزين، إقعد على الكرسي، وكلنا نطلع سوا.
وقت بلّشت الحرب، كنّا قاعدين بالكرك بزحلة. كنا ساكنين ببناية، بالطابق الأول، وفوقنا أربع طوابق. أكتر شي كنت حبّه هو القعدة قدّام باب البيت الصبح، مع فنجان القهوة وصوت العصافير. ما في قدّامنا شي، في مكسر، بس الحلو هو الهدوء. الحي فيه حوالي ١٠ عيل، كل واحد ببيته، بس كنّا متل الأهل.
من وقت ما إجينا عالبيت بالكرك، وأنا عم بشتري غراض وعم جهّز بالبيت. يعني من شغل زوجي، كنت أوفّر من راتبه وأجيب شغلة ورا شغلة. وكله راح بلحظة.
بالبداية، كنّا نسمع صوت الضرب من بعيد. أول مرة قرّب القصف، بآخر سبتمبر/أيلول ٢٠٢٤، إجا طفل عم يخبّط على باب بيتي وبيقلي: "في ضرب، في ضرب، اطلعي بالولاد لبرّا"، وكانت الساعة ٨ الصبح. طلعت، والسما كانت معبّاية صواريخ وطيران.
جينا من الكرك على سعدنايل (بلدة بعيدة حوالي ٦ كيلومتر)، وقعدنا بكاراج، محل لتخزين البضاعة. كنا ٣٣ شخص قاعدين بهيدا الكاراج، ومنن قرايبين جوزي. الكاراج كان صغير، غرفتين صغار وتواليت فقط لا غير، وكنّا ننام على الأرض.
بعد تلات أيام، الناس اللي كنا قاعدين عندن قالولنا لازم نفلّ، وبلّشوا يقولوا إنه الوضع بالكرك صار آمن، وفينا نرجع. بس العالم كلها كانت متخوّفة. لما رجعنا عالبيت، كنت عم أحمّم ولادي، وسمعت صوت الضربة. بهاللحظة، عبطت ولادي التلاتة، وصرت أبكي وصرّخ.
إجا زوجي وأخد الولاد وطلع لبرا. قلتله: "بدي آخد للبنت تياب وحفاضات". قلّي: "ما بدنا، المهم ضلّ إقدر أطلع فيكي وبالولاد". ما كنّا بدنا نضل ننتقل من بيت لبيت عند العالم. كنا عارفين إنه في أرض فاضية، كرم زيتون، قريب من مطرح ما قعدنا قبل بسعدنايل، فقلنا منروح لهونيك. طبعًا الكرسي المتحرّك ما كان يمشي بالتراب، والدنيا نار، كتير شوب. زوجي حملني على ظهره، وحمل بنتي بحضنه، وخلّى واحد من ولادي يشيل الكرسي.
رجع زوجي وجبلنا فرشة مزدوجة وحرامَين. بالليل كانت الفرشة تتبل من الرطوبة. يضلّ هو سهران ساعتين وأنا أنام، ووقت ينعس يفيقني وهو ينام. كنا نتناوب هيك. صارت تطلع علينا جرادين، وكنت خايفة… إذا جردون عضّ واحد من الولاد، أنا شو بدي آسوّي؟! ما كان في حوالينا غير كم صخرة كبيرة، ننام ونتدارى فيهن من الهوا بالليل. ضلّينا ١٠ أيام بهالأراضي. قلّي: "تروحي على سوريا؟" هو كان مطلوب للخدمة العسكرية من النظام. قلتلو: "لأ، أنا ما بتركك وبروح على سوريا".
زوجي حكى لصديقه عن الوضع اللي كنا عايشين فيه، واهتمّ ينسّق لنروح على المركز اللي نحن فيه هلّق، ببر إلياس، بلدة بالبقاع. بس وصلنا، أنا انصدمت… حسّيت حالي صرت بعالم تاني. جمعية Frontliners for Change اللي بتدير المركز استقبلونا أحلى استقبال، وقالولي: "هون ما بصير شي." ضلّيت أتلمّس الحيطان، وأبكي، وأقول: "ألف الحمد لله يا رب إني لقيت أربع حيطان وغرفة تآويني أنا وولادي".
إحنا تاني عيلة دخلنا على المركز، وبعدين كترت العالم وصار في عجقة. أنا بالبداية ما كنت أعرف حدا، بس شوي شوي تعرّفت عليهم كلّن. كنت من الناس اللي كتير تأثّروا بالحرب، لدرجة إنّي ضلّيت تلات أيام لعرفت إنه في مطبخ بالمبنى. زوجي كان ينزلني لتحت ويقلّي: "ليكي كيف العالم عايشة حياتها بشكل طبيعي"، بس أنا ما كنت إطلع من باب الغرفة من الخوف. كنت قلّه: "لأ، إسا بتجي الطيارة وبيصير ضرب." يعني الخوف كان كتير مسيطر عليّ.
بأواخر ٢٠٢٤، لمّا سقط النظام بسوريا، كنا نسمع القصف من الجهة التانية من الحدود مع سوريا. صار معي انهيار عصبي. قلت لزوجي: "يا فراس، هجموا علينا؟ صار في ضرب حولينا؟" فلّيت من الضرب، ولحقني لهون الضرب!
بعد شوي، صاحبو بقله: "الحمدلله، تحرّرت سوريا." وأنا حتى ما قدرت إفهم الخبر منيح… لأن الخوف كان مسيطر أكتر. بس إسمع صوت ألعاب نارية، بخاف. ضلّ في خوف بداخلي… حتى صوت الباب إذا سكّر بسرعة، بخوّفني.
وولادي كانوا يخافوا كمان. وقت كانوا يسمعوا القصف، إبني الصغير كان يروح يتخبّى تحت التخت. وبالليل كان يفيق يصرخ ويقلي: "ماما، إجت الطيارة! إجت الطيارة!" وبعدين، لفترة، صار يصير معه تبوّل لا إرادي بالليل من كتر الخوف.
مع هيك، صرت شوي شوي أحس بالأمان هون. هيدا المكان صار متل بيت للكل. اتعرّفت على كتير ناس طيبين، ودخلوا لقلبي. وحدة من النسوان حملتني على ظهرها، ما كان يهون عليها إنّي أنزل أو أطلع عالدرج لحالي. من غلاوتي عليها، كانت تحملني على ظهرها. وقت يشوفوني، يقولولي: "ليش منحسّك بتخافي أو بتخجلي؟ تعالي لعنا، منقعد ومنسهر سوا." وأنا أقول سبحان الله، شلون الله جابهن من الجنوب لنقعد ونتعرّف على بعض، ونصير أصدقاء ويعزّوا عليي.
غير إنهم أمنولي أربع حيطان وكل شي كنت بحاجة إله، أحلى شي قدمولنا ياه بالمركز هون هو جلسات الدعم النفسي. فتّحوا عيوننا، أو لفتوا انتباهنا، على كتير شغلات. بالنسبة إلي مثلاً، عن شخصيتي. كيف أتعامل مع الأولاد بطريقة جيدة، وكيف خفّف من توتّري. بوقتها كنت صايرة عصبية كتير، وأقل شغلة كانت تزعجني. وهون، الموظفين والموظفات كانوا كتير قريبين للقلب. ما حسّسونا ولا مرّة إنه نحن نازحين أو تقيلين عليهم.
معظم الناس تركوا المركز ورجعوا ع بيوتهن، والمبنى هلأ شبه فاضي. ضلّيت أنا والعيلة. بس أنا مبسوطة بالمكان اللي أنا فيه هلأ، وبحس نفسيّتي مرتاحة. مع إنه زوجي مو هون، بس بسكّر الباب عليي وعلى ولادي، وبقعد أنا وولادي وبسهر. الحمد لله، ما في خوف أبدًا.
أنا مرقت باللي ما بيتحمّله إنسان. طلعت روحي وقت كنا بالأراضي. كنت قول نيّال اللي بيموت مرة وحدة، لأن خلص… بيكون بيعرف حاله إنه مات وارتاح. أما أنا، كنت أموت باليوم ألف مرة.
بس يسكّر هيدا المركز، ما بعرف لوين بدي روح. ناطرة رب العالمين يفرجها عليي، ويمكن الله يرتّبلي الأحسن. إذا عطانا مطرح نضل فيه، حتى لو خيمة، بكون راضية. بيتي راح، ومنّي زعلانة. الحمد لله إنه ولادي بخير، وزوجي بعده فوق راسنا، واقف حدّنا. والحمد لله، كل شي تاني بيتعوّض.
طلعت روحي وقت كنا بالأراضي. كنت قول نيّال اللي بيموت مرة وحدة، لأن خلص… بيكون بيعرف حاله إنه مات وارتاح. أما أنا، كنت أموت باليوم ألف مرة.
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))