روبير
مزارع وعاشق للحيوانات في التاسعة والأربعين من العمر وأب لخمسة أولاد من بلدة الكفور الجنوبية.
"أنا بدي عيش هون بالكفور. الناس اللي ما بيعرفوا شي عن الجنوب يمكن يتخايلوا إنه نحن عايشين بجهنّم الحمرا. بس لأ. نحن بالجنّة، نحن اخترنا نكون هون."
عايش كل حياتي بالكفور، ضيعة بالنبطية بجنوب لبنان. ما تركت الكفور أبدًا. خلقت، وتربّيت، وترعرعت، وتوظّفت، ورحت، وجيت بالكفور. الضيعة هي جزء من كياني. بالحرب، بحسّ الواحد ترك حاله وراح، مش أخد حاله معه. تركت قلبي، تركت رزقي، تركت شي من الجدود، من الأهل.
عندي ذكريات كتير بالكفور، وخصوصًا إنه جدودي هني اللي معمّرين البيت، وبيت جدّي فيها، وتربّينا فيها. شجرة الزنزلخت اللي قدّام الكنيسة بتعنيلي كتير.
أوقات بمرق من قدّام دكّان، بتذكّر عمّي كيف كان يقعد على هيدا البنك. بالأرض الزراعية، عندي ذكريات كتير مع بيّي، في مطارح كنا نقعد فيها سوا ونتروّق.
اللي بيشدّني عالكفور هو الأرض، حبّي إلها، وطبعًا حبّي لأهل الضيعة. الضيعة متكاتفة، والناس بعدها بتحب بعضها.
الضيعة هي جزء من كياني. بالحرب، بحسّ الواحد ترك حاله وراح، مش أخد حاله معه. تركت قلبي، تركت رزقي، تركت شي من الجدود، من الأهل.
بلّش يزيد القصف بـ٢٣ سبتمبر/أيلول. وطبعًا، كان في خوف. كانت صدمة كبيرة، خصوصًا إنه القصف إجا دغري على مناطق كانت تُعتبر آمنة، ومأهولة بالسكان.
كأب، كان لازم أعرف كيف بدي إتصرّف مع ولادي الخمسة، كيف بدي هدّيهم، وكيف ممكن أمنّلهن مطرح يحسّوا فيه بالأمان. بس لما انضربنا يمين وشمال بقلب الضيعة، حوالين بيتي، خلص... ما عاد في مجال.
ليلتها، نمنا كلنا بمدخل البيت، وطبعًا ما حدا قدر ينام. أنا بعرف كل زاوية من البيت، لأني أنا اللي عمّرته بإيدي، فبعرف أيّ جزء أقوى من التاني. وبرغم إنه بهيك حرب ما في شي اسمه أمان، بس نفسيًا بحسّ الواحد إنّه بمطرح أأمن شوي.
كنّا مجهزين الأغراض، وحمّلنا السيارة قد ما بتساع، وتوجّهنا على بيروت الصبح. كان في صعوبة نفسية كبيرة عليّ. لأني كنت مضطر كون المتّزن قدّام أولادي، وفسّرلهن، وهدّيهن... وأنا قلبي عم يتشَقَّف. لأني كنت عم بترك شي غالي عليي كتير… لو حبّة تراب، هالحبّة بتعنيلي الدني.
أخذت عيلتي على بيت نسيبي بعين سعاده، شمال بيروت. وأنا فليت بكّير عالجنوب قبل ما يفيقوا، لأن كانوا مشارطيني: "ممنوع ترجع!" بس كان في شعور جوّاتي أقوى منّي، رجّعني. فضّلت إرجع، حتى لو تحت الخطر. هيدا الشعور كان من أصعب اللحظات عليي.
ماما أصرّت ترجع معي، وقالتلي: "إذا بتروح بلايي، ما بسامحك." يمكن كنت الوحيد اللي نازل عالجنوب، وكل السيارات طالعة على بيروت، محمّلة فرش، وأغراض، وسطول، وأدوات مطبخ... رجّعت معي كذا ربطة خبز وبطاطا، لأن ما كان حدا بالكفورر عندو تموين كافي.
بقيت أنا والماما ١٣ يوم بالكفور. لمّا كنا بالبيت، حاولنا نحن واللي بقيوا نضل كلنا سوا، ما نتفرّق، ليل ونهار. كنّا نحكي بكل شي، والخوف كان موجود عند الكل، وكلنا عم نحلّل ونتابع. وبنفس الوقت، كنا نحاول نلطّف الأجواء شوي، لنهدي نفوسنا ونقدر نتحمّل ونكفّي.
أنا عندي خمس بقرات، ومحل العلف شوي بعيد عن البيت، والوصول إله فيه خطر. بين الستة والتسعة الصبح، كنا نلاحظ إنه الجو أهدى، ما في مسيّرات، والقصف بيخف. فصرنا نحكي مع اللي ببيع العلف يفتح ساعة أو ساعة ونص بهالفترة، نروح نجيب ونرجع بسرعة عالبيت قبل ما يرجع القصف.
طبعًا، عالطريق كان في دمار بكل مطرح. بنايات مهدّمة، وشعور مخيف طبعًا. كنت فكّر إذا أنا هلأ مارق من حدّ بناية، بركي يستهدفوني أنا والبناية؟ طبعًا ما كنت حاسِس إنه على راسي خَيمة، حتّى لو أنا مسيحي. ما حدا كان مستثنى بهالحرب.
ضلّت الأمور بهالشكل لحدّ ما صاروخ نزل عالضيعة وهدّ بناية كاملة من ٣ طوابق. هيدا البيت كان بيت إبن خالتها لمرتي. والكنيسة كمان تضررت. لمّا شفنا هيك، قلنا خلص لازم نفلّ! ما عاد فيي جيب علف للبقر، والماما صارت تعبانة من كل النواحي، صحيًّا ونفسيًّا.
ما حدا بيقدر يعيش كل هالمدّة تحت ضغط الحرب والقلق. ارتجاجات دايمًا، الشبابيك عم ترجّ، الألومينيوم عم يرنّ، والصواريخ رايحة جاية، والطيران ما عم يهدى فوق راسنا.
لمّا قررنا نفلّ من جديد، كان لازم لاقي مين يهتم بالبقرات. كانت شغلة صعبة، بس بالنهاية قدرت إستأجر مزرعة لإئويهن مؤقتًا.
أول شي فكّرت فيه كان إنّي إحكي مع مرتي وولادي. اتّصلت، بس ما قدروا يحكوا قدّ ما كانوا مأثّرين. وبطّل يجمع راسن شو بدّن غراض. بعدين تذكّروا إنه في إشيَا معيّنة بدّن ياها متل تيشرت أو غرض معيّن بيحبّوه.
أخدت معي ساعة ذكرى من بيّي، كنت لابسها بإيدي، وساعة تانية لبّسني إيّاها وقت كان بالمستشفى. بتعنيلي كتير. لأنه البابا بآخر لحظاته، شلح الساعة ولبّسني إيّاها.
حمّلت البيك أب بكل شي طلبوه ولادي من تياب وأساسيات. وبحكم إنّه عيلتي كبيرة، صار في غراض كتير. والبقرات كانوا معبّين البيك أب، مستفّن حدّ بعضن، وأولادهن تحتهن. والماما، وأغراض الماما، وزيت الزيتون، لأنّه بلكي ما رجعنا، لازم ناخد زيت الزيتون، ولازم ناخد الزيتون اللي أمّي كَبَسته، لازم ناخد العسل، لازم ناخد كل شي، والشنكليش، واللبنة المكعزلة.
بس بنفس الوقت، كنت بتمنّى آخد كل شي... ما فيني آخد الضيعة كلّها معي، ما فيني آخد الجنوب. كنت تارك "روكي" الكلب، و"باني" البسين، كل هول بيعنولي. بس طبعًا ما فيني آخدهن كلّن. لمّا شافني "روكي" عم حمِل الأغراض...المنظر كان قاسي. كنت أنا مفلّت "روكي" طيلة فترة الحرب، لأنه صار في خوف من الصواريخ والطيران. آخر لمحة لـ"روكي" لحِقني لتحت، على آخر مفرَق الطريق. آخر شي كمشتو هيك، قلتلو: "روكي، بترجع عالبيت. وأنا راجع آخدك". شي بيحطِّم النفسية.
لما نحن رحنا وانتقلنا، الحيوانات متلنا متلن، هونيك البقرات ما عارفين حالُهن وين، ما عارفين وين أوضتهن، وين بدهن ياكلوا، وين بدهن يشربوا. تصوّروا لحد وين؟ الحيوان تأثّر بهالحرب.
لمّا نزلت، قعدت ليلتين عند خيّ مرتي، صح نحن حبايب، بس الواحد لازم يحسّ على دمو، خصوصًا إنه نحن سبعة أشخاص. فانتقلنا على بيت فوق محلات إخواتي بالدكوانة، شمال بيروت.
طبعًا البيت ما كان مجهّز، وما كنا متوقعين شي. مش نازلين بأوتيل خمس نجوم. وبيوت بيروت مش متل بيوت الضيعة. مي الحنفية ريحتها مازوت، وأوقات كنت حسها مزيتة أنا وعم إتحمم. والجيران... حسسونا إنه نحن جايين من كوكب تاني. نحن بالضيعة، ما عنّا رسميّات ولا بروتوكولات.
صحيح إنه هيدي إشيا بسيطة قدّام المعاناة اللي قطع فيها ناس غيرنا، بس في أيام كنت إنفجر. بعددنا الكبير، كلنا عم ننتظر دورنا عالدوش، وحظي أنا دايمًا آخر واحد. بس صارت مرتين إطلع من الحمّام والشامبو بعده براسي، لأن خلصت المي. يومتها كان المفصل. عصّبت، وقلت: "ضبّوا الشنط، هلق بدنا نطلع".
ما كانت قصة شامبو، كانت قصة تراكمات. انفجرت.
بنت عمة مرتي عايشة بكندا، كان عندها بيت فاضي بعاريّا، وقالت فينا نقعد فيه. صارله سنتين مسكّر البيت، عملنا اللازم وبلّشنا نعيش فيه. تقريبًا هالحكي بنص أكتوبر/تشرين الأول. لقينا إنه المنطقة بتشبَه الضيعة، كلها طبيعة حوالينا. أوّل شي عملته، رحت دغري عالبلدية، سجّلت إسمي وإسم مرتي وولادي كمهجّرين. كلمة "مهجَّر" شو بتعزّ على الواحد...
الناس هونيك كانوا كتير مناح. فرق كبير بين المدينة والضيعة. تعرّفنا على أهل المنطقة، وكان حوالينا ضيع درزية ومسيحية. بعرف أسامي الضيع، بس ولا مرّة زرتهم، ولا بعرف شي عن حياتهم. لقيناهن ناس كتير طيبين، وبيشبهونا بالضيعة. بيتعاطوا مع البشري بطريقة حلوة.
ولما فلّينا، نحن مدمّعين، وهني مدمّعين. اللحّام، الخضرجي، صاحب السوبرماركت، البلدية، وعضو المجلس البلدي… بعدن لهلّق بيحكوا معنا.
طلعنا على الضيعة دغري نهار وقف إطلاق النار. بس وصلت عالزهراني، أوّل شي عملتو فتحت الشبّاك، مدّيت إيدي تا شمّ هوا الجنوب. بس كمان كان في خوف. وين أصحابنا؟ بيوت أصحابنا؟ فطبعًا نحن انقطع الاتصال مع العالم. كنت مطمّن إنه بيتنا ما صرله شي، بس بقيّة الضيعة؟
أوّل شي عملته هو إنّي حاولت إتطمّن على الناس بالضيعة. بعد اللي صار، وبعد الشهداء، الكل كان محبَط. ما في بسمة. نحن فرحنا إنه رجعنا ولقينا بيتنا بعده واقف. كان في بس بابين خشب مكسورين ودرفتين، صلّحناهن.
أوّل ما وصلنا على البيت، صفّرت لروكي، وطلّ روكي…راسُه كان محروق شوي من بين عيونه لطاسة راسو. ضل على مدّة جمعة، مجرّد ما يشوفني طلعت بالسيارة، يطلع حدّي أحسن ما إرجع أتركه. لهالدرجة كان كتير مرعوب. لقينا "باني" كمان، بعد بيتين من بيتنا.
اليوم، المجتمع اللي أنا فيه ما حاسس بالأمان. كلنا فتنا بجو الزعل. كلنا عارفين إنه بأي لحظة ممكن ترجع الحرب تتجدّد. الطيران الحربي والمسيّرات بعدهم بالجو، وبعدهم بيستهدفوا على ذوقهم. حالة الحزن رهيبة.
كل شي تغيّر، ومن وقت الحرب، عم فكّر جدّيًا إشتري شقة ببيروت. بحبّش أترك الضيعة. بس كان في شي عم يشدّني إنه في مستقبل ولادي. وما بدي ياهن يعيشوا الحروب كذا مرّة متلي. مرق علينا كتير حروب قبل، بس الخوف بهيدي المرة كان غير. شفنا شو صار بغزّة، وقلنا معقول يصير فينا هيك.
أنا بدي عيش هون بالكفور. الناس اللي ما بيعرفوا شي عن الجنوب يمكن يتخايلوا إنه نحن عايشين بجهنّم الحمرا. بس لأ. نحن بالجنّة، نحن اخترنا نكون هون. كنت فيني ضبّ غراضي وفلّ، بس قرّرت إرجع وإتأقلم. صح، تأثّرنا بالمادّيات، تأثّرنا بكذا شغلة. بس نفسيتي؟ علاقتي مع رفقاتي بالضيعة؟ ما تغيّرت.
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))