ياسمينة

امرأة من بلدة الخيام في جنوب لبنان، في الثامنة والخمسين من العمر تعمل كمرشدة اجتماعية، وهي مطلّقة وتُعيل أولادها الثلاثة.

"بالطريق، كانت الناس مبسوطة، والزمامير شغّالة. بس لمّا وصلنا، لقينا كل شي مدمَّر… ما كنّا عارفين إذا لازم نبكي، ننبسط، أو شو لازم نحس... الواحد ما بيعود بيعرف شو يعمل."

لمّا بلّشت الحرب، كنت عايشة لحالي ببيت أهلي بالخيام. أهلي متوفّيين، وأنا مطلّقة وعندي تلات ولاد ببيروت عم يدرسوا بالجامعات. كنت بقسّم وقتي بين الطبخ، والشغل، والركض كل الوقت تيضل كل شي ماشي. هيدي كانت عيشتي.

الخيام ضيعة كتير حلوة، كانت راقية، وشوارعها حلوة. كانوا يسمّوا الخط العام فيها "باريس التانية". البنات كانوا يكزدروا عليه، وكان دايمًا مليان حياة، زمامير، وضحك، وعجقة.

البيت في جنينة كبيرة، وكله حيطان حجر. لما يجي موسم الزيتون، كنّا نحوّش زيتون، وسماق. عندي ذكريات كتير بهيدا البيت، منها حلوة بتنبسطي فيها، وفي شغلات بتنقهري منها.

بتذكّر مرة بعيد الميلاد، حبّينا نحتفل. أنا وأخواتي عملنا شعراتنا، وطبخنا بيتزا، وقعدنا عالسفرة مع أمي وبيي. كنّا عم نمزح ونضحك ونصفّر. وبيي، مع إنه ما كان من النوع اللي بيجاري بهيك أجواء، بس بهديك الليلة، صار يطلّع فينا ويضحك.

في شي بالخيام… إنه هي جذوري. هونيك بنبسط، لأن جيراني، وأهلي، ورفقات اللي عشت معهم عمر. عندي كتير معارف، بس الصحبة اللي عنجد بتنعد عالأصابع، هيديك اللي إلها قيمة عنجد.

أنا بقيت تسعة أشهر بالخيام، تسعة أشهر تحت القصف. أوّل شي، كان القصف يبلّش شي وحدة ونص، تنتين وطالع، وكان بعده بعيد عنّا… بعدين صار يقرب، وصرت حس البيت كلّه عم يرجّ.

كنت استغلّ الفرصة وإطلع الصبح جيب أغراضي من السوق. كان بعد في محلات بعدها فاتحة وقتها، مش الكل كان مهجّر من الضيعة. كان بعد في كهربا ومي وكل شي. ولأن أنا ولادي ببيروت، فكنت حضّرلُهن أكل، جلّدلُهن ياه، ونزّللهن ياه.

صرت دوّر على قصص إلهي حالي فيها. بالليل كنت حطّ التلفزيون وإحضر "باب الحارة"، أو إفتح اليوتيوب. شو في صبغات للشعر وخلطات، حطّ وأعمل شعري. ماسكات للوجه، كل يوم ماسك. بدّي إتسلّى، بدّي مضي وقت.

كانوا يقولولي الكل: "تعي لعنا، تعي اقعدي عنا..." قلّن ما بقعد عند حدا، وما بسَلّم رقبتي لحدا. حرب تموز علّمتني كتير. وقتها طلعنا عالشمال، وقعدنا بشقّة كانت كتير عجقة. كنت عم رضّع وقتها. مرقنا بظروف كتير صعبة. ما بدي كون قاعدة عند حدا ويصير إلي عليه فضل أو يتحكّم فيي.

أصوات الحرب كانت مرعبة. مرّة، قعدت بالجنينة لتلاتة الصبح، وأنا برا، والضرب قايم قيامته. كنت قول: "يا رب، إذا صار شي، ما بدّي يلاقوني قطع تحت الردم مقطّعة. بدّي يلاقوني برا، قطعة وحدة".

آخر شي، على فترة أسبوعين قبل ما فلّ من الخيام، كانت الجنينة مليانة عصافير، بيبرموا لورا البيت، مطرح الجنينة. كانوا يوقفوا عالحبال ويصفّرولي، وأنا ولا آخذ ولا أعطي. بس كل يوم يرجعوا... ليوم قلت لبنتي، قالتلي: "يا ماما، طب راقبيهن. بركي هول جايين لعندك، وعم يصفّرولِك!"

كنت عطول فاتحة الشبابيك، أحسن ما يتكسّر القزاز من القصف. بآخر يوم بالخيام، إجا عصفور عالمرجوحة اللي حاطينها برا. وقف قدّامي، صفّرلي، وبلّش يحرّك بجناحه. بعده إجا التاني، عمل نفس الشي. التالت ما قرّب. ومن وقتها، اختفوا.

بقيت على هالحالة تسعة أشهر، وبالآخر قالولي أولادي: "خلص، بدك تطلعي".

قعدت شهر عند صديق للعيلة ببلاط، ضيعة بقضاء مرجعيون بجنوب لبنان، بس ما ارتحت هونيك. رجعت دبّرت بيت بدبّين، ضيعة حدّنا، وقعدت فيه شي عشرين يوم.

ساقبت نهار نزّلت الأكل لأولادي، ووصلت على بيروت... وقامت العركة فوق بالجنوب. بالبداية، قعدت أنا وبنتي الكبيرة بالفوييه اللي ساكنة فيه بالليلكي، بالضاحية الجنوبية لبيروت. بس ما كمّلنا أسبوع، لأن إسرائيل بلّشت تهدّد الضاحية. أوّل ما طلعنا من البيت، كانت الصواريخ فوق راسنا. الفوييه اللي قاعدة فيه بنتي، آخر طابقين ضربوهم واحترقوا.

رحنا على شقة ببرج البراجنة، كمان بالضاحية، وما طوّلنا، لأنه دغري نزلوا الصواريخ فوق راسنا. هربنا على عين المريسة، قعدت شوي هونيك، والدنيا عجقة عالم عالطريق. رجعنا، وطلعنا عالحمرا، على بيت مليان عالم، ونمنا هونيك ليلة وحدة بس.

بعد كل هالشي، رحنا على الجامعة اللبنانية بالحدث، بضواحي بيروت الجنوبية. أنا وبنتي وولادي الباقيين قعدنا بسكن الجامعة تقريبًا لباقي فترة الحرب.

أنا ما كان مسمحلي قانونًا إقعد هونيك، فما كنت فيّي أطلع أو أتحرّك. بس ساعتها الشباب، الله يوجّهلن الخير، من الإدارة والسيكيوريتي، مرّقونا، وكانوا عنجد ظهر لإلنا. إبني وبنتي، لأنن طلاب بالجامعة، كان يقدروا يفوتوا ويطلعوا.

كنت قوم من الصبح، حضّر شو بدي أطبخلهن، ونقعد. كل الوقت نطلّع عالتابلت أو التلفزيون نتابع الأخبار. ما كان في شي نعمله... عايشين عأعصابنا. الضربات كانت تصير قدّامنا، ونشوف الدخنة. كل شي نشوفه مباشر. ولما يكون في تحذير، كنا ننزل نتخبّى بالطابق الأرضي.

كان في ناس من كل الأعمار. أهالي، ولاد صغار، كبار، وتلاميذ. وأنا، قد ما فيّي، كنت حبّ إبعد عن العالم...

بس الشي الإيجابي، اللي خلانا ننبسط ونِترَوّحن شوي، إنه كنّا كلنا مجموعين سوا كعيلة. كنت إقدر أعملهم أكل سخن وطازة، مش بس أكل مجلّد. كنت أعملهم صواني بيتزا مثلاً، مع إنه ما كان عندي لا صينية ولا فرن... بس كنت اخترع من عندي.

رجعنا عالخيام دغري بنهار وقف إطلاق النار. بالطريق، كانت الناس مبسوطة، والزمامير شغّالة. بس لمّا وصلنا، لقينا كل شي مدمَّر… أمهات الشهداء كانوا واقفين حاملين صور ولادن. ما كنّا عارفين إذا لازم نبكي، ننبسط، أو شو لازم نحس... الواحد ما بيعود بيعرف شو يعمل.

أنا كنت شايفة صور الأقمار الصناعية، وكنت عارفة إنه قسم كبير من الخيام صار ركام، بس بيتنا بعده واقف. بس لمّا شفتو بعيني، كانت الصدمة بنوعية الأذية اللي أذوها. سرقوا البراد. خلعوا بواب الخزاين. التلفزيونات مقوّسين عليهن. وكان في ورقة معلّقة بسكّين عالحيط، مكتوب عليها: "F**k Lebanon".

ما زعلت عالعفش، ولا عالأغراض. بس البيت نفسه حامل ذكريات بيّي، وأمي، وإخواتي... لمّات العيلة، القعدة سوا، كله كان يعنيلي.

ما قدرنا نستوعب اللي صار… بوقتها ما شبعنا من البيت اللي نحن فيه، بس هيدا هو الواقع، وما فينا نطلع منّه. حملنا حالنا ورجعنا على بيروت، لأنه كانت رح تعتم، ومسيّرة الـ"أم كا" الإسرائيلية فوق راسنا.

بعد الحرب، نزلت قعدت فترة مع بنتي بالفوييه بالليلكي. عزّلنا الفوييه لأنه كان كلّه رماد وريحة بارود. قعدت فيه تقريبًا شي أسبوع، لحدّ ما ودّوا ورانا عالشغل بالنبطية، وساعتها أمّنا هيدا البيت بالأجار.

إشيا كتير اختلفت. قبل، كنت عايشة ببيت كبير، فيه جنينة، وفيه حرية... كنت إطلع برا وما حدا يشوفني. هلّق، محصورة بأربع حيطان، وحاسة حالي مخنوقة.

بروح الصبح عالشغل وبرجع. ما عندي حياة اجتماعية، بس الكل هون من الجنوب، يعني كلنا بنفس المركب. والسؤال اللي دايمًا بينسأل: "لوين بدنا نوصل؟" الحياة اللي عايشينها مش متل قبل. منرجع عضيَعنا؟ منرجع عبيوتنا؟ منضل هيك مهجّرين؟ ما حدا بيعرف.

بطلّع بوجوه رفقاتي... وحدة ابنها استشهد بالحرب، والتانية ابنها مفقود، وهي عم تنهار. عريس بنتي استشهد كمان. كل العالم ضايعة. ما حدا عارف لوين يروح، ولا شو يعمل. الفرحة راحت من عيوننا. ما عاد في فرح، في غصّة كبيرة. منعرف إنو في حرب ووجع، بس عزيمتنا، وإيماننا، ودم شعبنا رح يرجعنا عبيوتنا.

أنا مضطرة كون قوية، مضطرة ضَلني واقفة عإجريي، بس لأنه ما في سند. ما عندي زوج إتّكل عليه. مضطرة ضل قوية. مضطرة ضل كافح، لأن برقبتِي تلات ولاد، وما إلهم حدن غيري بهالدني. لازم ضلني مجمعة حالي، لأني إذا وقعت، كل شي بيوقع. ولما بكون لحالي، ببكي.