زهراء
شابة في الواحدة والعشرين من العمر، طالبة في تصميم الغرافيك، من بنت جبيل في جنوب لبنان.
"منقول إنه كان عندي ذكريات بهيدا البيت، وراح البيت، بس اللي عملوا الذكريات هو نحن. فمنعمل أحلى من هيديك الذكريات."
ذكرياتي... نحن عنّا درج البيت أثري، كان جدّي معمّره، وبيحمل كتير ذكريات. ربيت على هيدا الدرج، كل طفولتي هونيك. كنا نلعب عليه. وهو الدرج كلّو بوابات، وكلّو ملوّنينه بالطباشير. وياما واقعة، ومروحا إجريّي عليه.
كل ما فكّر ببنت جبيل، بتذكّر هالدرج، وبتذكّر إنه طلع التحرير من عنّا بالـ٢٠٠٦. بالنسبة إلي، بنت جبيل هي أرض المقاومة والتحرير.
نحن فلّينا من أوّل الحرب، يعني من سنة تقريبًا. كنّا نفلّ على بيت جدي بالجاموس ببيروت ونرجع، بس آخر شي، لما اشتدّت الحرب بـ٢٣ سبتمبر/أيلول ٢٠٢٤، فلّينا من بنت جبيل وما عاد رجعنا.
بهيدا النهار، كنّا متفقين مع العيلة إنه السهرة عنّا. ولاد عمي، بنت عمي، والكل، قلنا إنه اليوم السهرة والعشا عنّا. فوقتا اشتدّ القصف كتير، قلنا خلص، على الوحدة ونص ما بقى قدرنا نضل قاعدين. بلّشوا يفلّوا ولاد عمّي، وإختي حبلة إجت لعنّا، والماما ما كان بدا تفلّ. كانت تقول: "خلص، نحن بيتنا بالـ٢٠٠٦ ما انضرب، فهلق بدو ينضرب؟!" والبابا يقول: "يلا، قوموا ضبّوا غراضكن."
ما قدرنا نطلّع شي معنا. ضهرت بالتياب اللي لابسيتن، وحملت الأركيلة، وبلّشنا نركض. وقت أخدت الأركيلة ما كنت عم فكّر، خلص، راسي ما استوعب. والمطرح اللي كنا رايحين عليه مش معروف قدي بعيد ولوين بدنا نروح. قلتلن: "خلص، ما ضروري ناخد شي طالما راجعين".
البلد فضيت. كانت الساعة حوالي ٢ الظهر. قمنا ضبّينا غراضنا، ودقّينا لبيت جدي لنقلّن إنه نحن هلق ماشين، هيك بحال ما كان في إرسال، ما بينشغل بالهن.
علقنا على الطريق. ما حدا بيصدّق الحالة اللي كنا فيها. رعب. ختمت القرآن. وإختي حبلة، وخيي معنا، وإمي... رعب. على الساعة ٣ الضهر طلعنا من بنت جبيل، وضلّينا لـ٣ الفجر لوصلنا على بيروت.
وصلنا على الجاموس بالليل، وبوقتها صاروا يهددوا إنه بدهن يضربوا مناطق ببيروت. تاني يوم رحنا على بيت خالتي بالشويفات، شرق بيروت. جدي كان مدبّر بيت بالجبل، فلما حذّروا إنه بدهن يضربوا الشويفات، ضبّينا غراضنا وبلّشنا نركض، وطلعنا على الجبل عالساعة ٢ بالليل.
قعدنا بالجبل خمس إيام، ورجعنا نزلنا عالشويفات. بيت جدّي بقيوا بالجبل. لأنه البيت فوق كان عجقة، اضطرّينا نخفّف ونفلّ. رجعنا لقينا مطرح تاني. رجعت خالتي وولادها حجزوا على العراق. خالتي فلّت وقالتلهن: "خلص، مأزمة كتير هون." فقطعولنا خوالي تذاكر طيران إلنا كمان وطلّعونا. طلعنا بـ٢٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٢٤.
ونحن، أنا وخيي، بما إنه باسبوراتنا تركناهن بالبيت، نزلنا ظبطّنا وراقنا بالحمرا.
العراق كانت حلوة. قعدنا كل الوقت بكربلاء. كنّا كتير متمنّيين نروح من قبل، بس إنه بظروف تكون أحسن من هيك… بس انكتبلنا نروح هيك. فضلّيت إكسَب الوقت، و نضلّنا قاعدين بالمقامات. كان شي كتير حلو.
ما عرفت شو بدّي إدعي هونيك، خلص، عَ راس لسانِي: "الله يِحمي الشباب… بس الله يِحمي الشباب". كان شي كتير حلو. يعني خلص، مطمّنِة، قاعدة بأمان هونيك. ما عم يسمع الواحد ضَرِب، ما عم يسمع شي. بس عم إطلّع بالمقامات، عم زور وعم صلّي. شعور ما بينوصف.
رحنا أنا وإمي وخيي بس، والبقوي بقيوا بلبنان. إختي والبابا بقيوا. إختي مزوّجة وحبلة، ما كان بدا تترك زوجها وتروح. والبابا بيقول: "أنا بدي خطوة لقدّام صوب الجنوب، لوين بدكن تسفّروني؟"
خالي عندو جارة عراقية قاعدة بأميركا، وعندها بيت بالعراق. مفتاح البيت كان مع إختها، وعطتنا المفتاح. قعدنا بالبيت مع خالتي وبنتها، وبنتها التانية، وابنها.
كنّا نفيق، نلبس، ونروح على المقامات، ونرجع آخر النهار نطبخ بالبيت. مش كل شي كان متوفّر متل الموجود بلبنان، بس كنّا نسيسر حالنا. الطعمات غير. وإذا كنّا مشتهيين أكل لبناني، كان في مطاعم بالمول بتعمل أكلات سريعة متل اللي عنا بلبنان.
أصعب شي بالحرب لما بلّشوا يبعتوا الخرائط بالقمر الصناعي. كان الجيش الإسرائيلي ينشرهن على السوشيل ميديا. أوّل مرّة بعتوا خريطة، كنّا بعدنا بلبنان، بالشويفات. أوّل خريطة بعتوها، بيّن بيتنا ببنت جبيل رايح. اطلّعت وقلتلها لماما: "البيت راح." قالتلي الماما: "لأ، شو راح؟! أكيد مغلطين."
نقرّب الصورة ونبعِّدها… بعتوا خرايط تانية بعد شوي. شفنا إنه بيتنا، وبيت جدّو لبيي، وبيت جارنا، وبيت عمّي راحوا. تاني يوم الصبح كانت إختي عنّا، وإختي كمان راح بيتا، بنفس الشارع. قاعدين هيك عم نشوف الخرايط مصدومين.
ما كنت متوقعة إنه بيتنا يروح، ولا ١٪. أبدًا، أبدًا! بيتنا بنصّ البلد، وبالـ٢٠٠٦ ما راح… هلّق بدو يروح؟! فكنّا مأمّنين، وما أخدنا شي معنا، لأنه مفكّرين إنه راجعين. متل ما كنّا نطلع وننزل طول السنة، كنّا حنرجع.
كان شعور ما بينوصف… إنه حدا يجي يقلّك بيتك راح. صعبة...
رجعت على لبنان بـ٢١ ديسمبر/كانون الأول ٢٠٢٤، وكان أصلًا ساري وقف إطلاق النار. ورجعت طلعت على بنت جبيل بـ٢٧ يناير/كانون الثاني، لأن ما في بيت نبقى فيه. عمته للبابا كانت مسافرة، وهيّ عندها بيت ببنت جبيل، فقاعدين ببيتها حاليًا بشكل مؤقت.
ما حدا بالضيعة كان منيح. اللي ما راح بيته، راح شغله. واللي ما راح بيته ولا شغله، كان رايحله شهيد بالبيت قتلته إسرائيل.
كنت مبارح بالبلد، وعاجقة… يعني بيقول الواحد بنت جبيل ما فيها شي. مليانة عالم، الكل رجع فتح مصالحه، وما في محل مسكّر. كنّا نخاف كتير بس يطلع الطيران الحربي أو يعملوا جدار صوت. هلق عادي. كنّا قبل نحمل غراضنا ونهرب بس نسمع صوت. هلق لأ، رواق. تعوّدنا.
أكيد في شعور نقص، بس عادي، بيتعوّض البيت. المهم نحن كلنا مناح. منقول إنه كان عندي ذكريات بهيدا البيت، وراح البيت، بس اللي عملوا الذكريات هو نحن. فمنعمل أحلى من هيديك الذكريات.
منقول إنه كان عندي ذكريات بهيدا البيت، وراح البيت، بس اللي عملوا الذكريات هو نحن. فمنعمل أحلى من هيديك الذكريات.
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))
:quality(50))